121 - وقال عليه السّلام : وقد سمع رجلا يذم الدنيا : أيّها الذّامّ للدّنيا المغترّ بغرورها المخدوع بأباطيلها أتغترّ بالدّنيا ثمّ تذمّها ، أنت المتجرّم عليها أم هي المتجرّمة عليك متى استهوتك أم متى غرّتك أبمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع أمّهاتك تحت الثّرى كم علَّلت بكفّيك وكم مرّضت بيديك تبغى لهم الشّفاء ، وتستوصف لهم الأطبّاء ، غداة لا يغنى عنهم دواؤك ، ولا يجدي عليهم بكاؤك ، ولم ينفع أحدهم إشفاقك ولم تسعف بطلبتك ، ولم تدفع عنه بقوّتك وقد مثّلت لك به الدّنيا نفسك وبمصرعه مصرعك . إنّ الدّنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزوّد منها ، ودار موعظة لمن اتّعظ بها ، مسجد أحبّاء اللَّه ، ومصلَّى ملائكة اللَّه ومهبط وحى اللَّه ، ومتجر أولياء اللَّه ، اكتسبوا فيها الرّحمة ، وربحوا فيها الجنّة ، فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها ، ونادت بفراقها ، ونعت نفسها وأهلها فمثّلت لهم ببلائها البلاء ، وشوّقتهم بسرورها إلى السّرور راحت بعافية ، وابتكرت بفجيعة ، ترهيبا وترغيبا ، وتخويفا وتحذيرا ، فذمّها رجال غداة النّدامة ، وحمدها آخرون يوم القيامة ، ذكَّرتهم الدّنيا فتذكَّروا ، وحدّثتهم فصدّقوا ، ووعظتهم فاتّعظوا . قوله : بمصارع آبائك : استفهام استهزاء . ومثلَّت : صوّرت . وتصديق من صدّقها : اعترافه بتغيّرها وزوالها . وما مثلَّت به نفسه . ودار عافية لمن أي : عذاب اللَّه لمن فهم عنها ما أخبرت به من عظاتها وعبرها . وآذنت : أعلمت . والبلاء والسرور : بلاء الآخرة وسرورها ، إذ كان كلّ ما في هذا العالم فهو صور ومثال لما في عالم الغيب ، ونسخة منه يعتبر به . وغداة الندامة حين الموت .
122 - وقال عليه السّلام : إنّ للَّه ملكا ينادى في كلّ يوم : لدوا للموت ، وابنوا للخراب ، واجمعوا للفناء . أشار إلى غايات الدنيا على وفق ما علم من القضاء الإلهي .
123 - وقال عليه السّلام : الدّنيا دار ممّر إلى دار مقّر ، والنّاس فيها رجلان : رجل
اختيار مصباح السالكين — صفحة 611
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٦١١