أقول : يروى بدء أمرنا اى : مبتدأه . والثائرة : العداوة . وقوله : فقلنا ، إلى قوله مواضعه : كناية عن دعائه لهم إلى حقن الدماء بترك الحرب . وقوله : فقالوا إلى قوله المكابرة : كناية عن إبائهم ومخالفتهم له . وجنحت : مالت . وركدت : ثبتت . وحمست : اشتدّت . وروى بالشين المعجمة اى : التهبت غضبا . واجابتهم إلى ما دعاهم اليه طلبهم للصلح ، وحقن الدماء : صبيحة ليلة الهرير كما سبق ، واجابته لهم في رضاه : بالتّحكيم وظهور الحجّة عليهم ، برجوعهم إلى عين ما كان يدعوهم اليه من حقن الدماء ، وفى ذلك انقطاع عذرهم : في المطالبة بدم عثمان ، إذ كان سكوتهم عن دم صحابىّ لا حق لهم فيه ، أسهل من سفك دماء سبعين ألفا من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان . ومن تمّ على ذلك اى : على الصلح والرضا به ، فهو الذي انقذه اللَّه اى : أخلصه من الهلكة . ومن لجّ اى : في انكار الصلح ، وتحكيم كتاب اللَّه وتمادى في ذلك اى : أقام عليه ، وهم الخوارج ، واستعار لهم لفظ الراكس ، وهو : المردود مقلوبا باعتبار انتكاس عقولهم ، في ظلمة الجهل ، والشبه الباطلة ، بعد استنارتها وظهورها بنور الايمان أو انتكاسهم في العقوبة ، والقتل في الدنيا ، والعذاب في الآخرة كقوله تعالى : * ( ( والله أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا ) ) * ( 1 ) اى ردّهم إلى عقوبة كفرهم .
اختيار مصباح السالكين — صفحة 559
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٥٥٩
59 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى الأسود بن قطيبة صاحب جند حلوان
أمّا بعد ، فإنّ الوالي إذا اختلف هواه منعه ذلك كثيرا من العدل ، فليكن أمر النّاس عندك في الحقّ سواء ، فإنّه ليس في الجور عوض من العدل ، فاجتنب ما تنكر أمثاله ، وابتذل نفسك فيما افترض اللَّه عليك راجيا ثوابه ، ومتخوّفا عقابه . واعلم أنّ الدّنيا دار بليّة لم يفرغ صاحبها فيها قطَّ ساعة إلَّا كانت فرغته عليه حسرة يوم القيامة ، وأنّه لن يغنيك عن الحقّ شيء أبدا ، ومن الحقّ عليك حفظ نفسك ، والاحتساب على الرّعيّة بجهدك ، فإنّ الَّذى يصل إليك من ذلك أفضل من الَّذى يصل بك ، والسّلام .
هامش
( 1 ) سورة النساء - 88 .