57 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى أهل الكوفة ، عند مسيره من المدينة إلى البصرة
أمّا بعد ، فإنّى خرجت من حيّ هذا ، إمّا ظالما ، وإمّا مظلوما ، وإمّا باغيا وإمّا مبغيّا عليه ، وإنّى أذكَّر اللَّه من بلغه كتابي هذا ، لمّا نفر إلىّ ، فإن كنت محسنا أعانني ، وإن كنت مسيئا استعتبني .
أقول : الحىّ : القبيلة ، وقوله : إمّا ظالما ، إلى قوله عليه : من باب تجاهل العارف ، أو لأن أهل الكوفة لم يكن بعد ظهرت لهم القضّية ليعرفوا الظالم من المظلوم ومن بلغه : مفعول أول لا ذكر اخّر لطوله . ولمّا مشددة : بمعنى الَّا ، ومخفّفه هي « ما » زائدة دخل عليها لام التأكيد ، اى : لينفرنّ إلى . وباللَّه التوفيق .
58 - ومن كتاب له عليه السّلام كتبه إلى أهل الأمصار ، يقتصّ فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين
وكان بدء أمرنا أنّا التقينا والقوم من أهل الشّام ، والظَّاهر أنّ ربّنا واحد ، ونبيّنا واحد ، ودعوتنا في الاسلام واحدة ، ولا نستزيدهم في الايمان باللَّه والتّصديق برسوله ولا يستزيدوننا : الأمر واحد إلَّا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ، ونحن منه براء فقلنا : تعالوا نداو مالا يدرك اليوم باطفاء النّائرة ، وتسكين العامّة ، حتّى يشتدّ الأمر ويستجمع فنقوى على وضع الحقّ مواضعه ، فقالوا : بل نداويه بالمكابرة فأبوا حتّى جنحت الحرب وركدت ، ووقدت نيرانها وحمست . فلمّا ضرّستنا وإيّاهم ، ووضعت مخالبها فينا وفيهم ، أجابوا عند ذلك إلى الَّذى دعوناهم إليه ، فأجبناهم إلى ما دعوا ، وسارعناهم إلى ما طلبوا ، حتّى استبانت عليهم الحجّة ، وانقطعت منهم المعذرة . فمن تمّ على ذلك منهم فهو الَّذى أنقذه اللَّه من الهلكة ، ومن لجّ وتمادى فهو الرّاكس الَّذى ران اللَّه على قلبه ، وصارت دائرة السّوء على رأسه .