مماطلات الزمان ، وكنت قد بوّبت ما خرج من ذلك أبوابا ، وفصّلته فصولا ، فجاء في آخرها فصل يتضمّن محاسن ما نقل عنه عليه السلام من الكلام القصير في المواعظ والحكم والأمثال والآداب دون الخطب الطويلة والكتب المبسوطة ، فاستحسن جماعة من الأصدقاء والاخوان ما اشتمل عليه الفصل المقدّم ذكره معجبين ببدائعه ، ومتعجبين من نواصعه ، وسألونى عند ذلك ان أبدا بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في جميع فنونه ، ومتشّعبات غصونه ، من خطب وكتب ، ومواعظ وأدب علما انّ ذلك يتضمن من عجائب البلاغة ، وغرائب الفصاحة ، وجواهر العربية ، وثواقب الكلم الدينيّة والدنيويّة ، ما لا يوجد مجتمعا في كلام ، ولا مجموع الأطراف في كتاب ، إذ كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ، ومنه عليه السلام ظهر مكنونها ، وعنه اخذت قوانينها ، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب ، وبكلامه استعان كلّ واعظ بليغ ، ومع ذلك فقد سبق وقصّروا ، وتقدّم وتاخّروا ، لانّ كلامه عليه السلام ، الكلام الذّى عليه مسحة من العلم الإلهي ، وفيه عبقة من الكلام النبوي ، فأجبتهم إلى الابتداء بذلك عالما بما فيه من عظيم النفع ، ومنشور الذكر ، ومذخور الأجر ، واعتمدت به ان ابيّن من عظيم قدر أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الفضيلة مضافة إلى المحاسن الدثرة ، والفضائل الجمة ، وانّه عليه السلام انفرد ببلوغ غايتها من جميع السلف الأوّلين الذين انما يؤثر عنهم منها القليل النادر ، والشاذ الشارد .
وامّا كلامه ، فهو من البحر الذي لا يساجل ، والجمّ الذي لا يحافل ، واردت ان يسوغ لي التمثيل في الافتخار به عليه السلام بقول الفرزدق :
أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع
ورأيت كلامه عليه السلام يدور على أقطاب ثلاثة : اوّلها الخطب والأوامر ، وثانيها الكتب والرسائل ، وثالثها الحكم والمواعظ ، فأجمعت بتوفيق اللَّه تعالى على الابتداء باختيار محاسن الخطب ، ثم محاسن الكتب ، ثم محاسن الحكم والأدب ، مفردا لكل صنف من ذلك بابا ، ومفصّلا فيه أوراقا لتكون مقدمة لاستدراك ما عساه يشذّ عنّى عاجلا ويقع الىّ آجلا ، وإذا جاء شيء من كلامه عليه السلام الخارج في أثناء حوار ، أو