تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اختيار مصباح السالكين — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧

* ( يَشْرَبُ بِها عِبادُ الله يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً » ) * ( 1 ) ، وفي وضعها من البلاغة البديعة ، والفصاحة التّى هي مقتضى الطبيعة ، التركيب الموجز والأسلوب المعجز ، ما يشنّف الاسماع ، ويجلّ عن سائر الأساليب والأوضاع ، وفي علمها من التجلَّى بالأنوار الإلهية ما يهدى إلى سبيل الرّشاد ، ومن التحلَّى بملكات الحكم والفضائل الخلقية أفضل زاد ، ليوم المعاد ، وهى قواعد الدين القويم وأساسه ، وعليها مداره ومنها اقتباسه ، وفيها بغية كلّ أديب ، ومنها بلاغة البليغ ، وفصاحة الخطيب ، واليها نسبة العالم الحكيم ، وعنها يؤخذ كل خلق كريم ، والسابق إليها سابق بالخيرات ، والمقصّر عنها ظالم لنفسه لما حرّمها من الكلمات ، فكيف يقاس بها قول القائل ، أو يعدل عنها إلى غير طائل . ثم استدرك الفارط فيها لكرامتها لديه ، فالزم بملازمتها والتمسّك بها ، ولديه الأميرين الكبيرين المعظمين العالمين الفاضلين الكاملين ، جلالي الدولة وعضدى الملة ، الَّذين لم يزالا من سنّى الطفولية سالكين لاحمد المناهج في اكتساب الكمالات النفسانية ، حتى بلغت بهما الهمم ما لم تبلغه همم الكهول في الاستكمال بالفضائل الانسانية ، نظام الدنيا والدين ، أبا منصور محمد ، ومظفر الدين والدنيا ( 2 ) ، أبا العباس عليّا ، لا زالت الأفلاك بدوام دولة علائهما دائرة ، ولا برحت شمس اقبالهما في بروج شرفهما سائرة ، وندبهما إلى حفظ فصوصها ، وحرّضهما على اقتباس أنوار نصوصها ، واشغل بها من لاذ بخدمتهما من البطانة والاتباع ، وقصد بذلك احياء ميّت السنة وعموم الانتفاع ، ورأيت تشوّق خاطره المحروس إلى شرح كتاب ( نهج البلاغة ) وايضاح دقائقه ، والإشارة إلى اسراره وحقائقه ، فوجدت السعي في ذلك من أعظم القربات لاداء شكره ، وأشرف الوسائل إلى خدمته لمعرفته بقدره . إذ كان الناس قبله اعزاللَّه أنصاره ، وامدّ فضله ، بين جاهل ما بهذا الكتاب ، من الحكمة وفصل الخطاب ، يطرحه لجهله وقصوره ، وبين معاند للحق عادل عن الصواب يجتهد في اخفاء شرفه ، واطفاء نوره ، إلى أن وقفت انظاره الصائبة على ما فيه من لطائف النكات ، واطَّلعت أفكاره الثاقبة على ما اشتمل عليه من غامض الاسرار وبيّن الآيات ،

هامش
( 1 ) سورة الانسان - 6 .
( 2 ) نسخة ش : مظفر الدنيا والدين .