تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اختيار مصباح السالكين — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠

الجنّة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا ، إنّ حكمه في أهل السّماء وأهل الأرض لواحد ، وما بين اللَّه وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرّمه على العالمين . فاحذروا عدوّ اللَّه ، أن يعديكم بدائه ، وأن يستفزّكم بندائه ، وأن يجلب عليكم بخيله ورجله ، فلعمري لقد فوّق لكم سهم الوعيد ، وأغرق لكم بالنّزع الشّديد ، ورماكم من مكان قريب ، وقال : * ( ( قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ ولأُغْوِيَنَّهُمْ ) ) * ( 1 ) ، قذفا بغيب بعيد ، ورجما بظنّ مصيب ، صدّقه به أبناء الحميّة ، وإخوان العصبيّة ، وفرسان الكبر والجاهليّة ، حتّى إذا انقادت له الجامحة منكم ، واستحكمت الطَّماعية منه فيكم ، فنجمت الحال من السّرّ الخفىّ إلى الأمر الجلىّ ، استفحل سلطانه عليكم ، ودلف بجنوده نحوكم ، فأقحموكم ولجأت الذّلّ ، وأحلوّكم ورطات القتل ، وأوطاؤكم إثخان الجراحة : طعنا في عيونكم وحزّا في حلوقكم ، ودقّا لمناخركم ، وقصدا لمقاتلكم ، وسوقا بخزائم القهر إلى النّار المعدّة لكم ، فأصبح أعظم في دينكم جرحا ، وأورى في دنياكم قدحا ، من الَّذين أصبحتم لهم مناصبين ، وعليهم متألَّبين ، فاجعلوا عليه حدّكم وله جدّكم فلعمر اللَّه لقد فخر على أصلكم ، ووقع في حسبكم ، ودفع في نسبكم ، وأجلب بخيله عليكم ، وقصد برجله سبيلكم : يقتنصونكم بكلّ مكان ، ويضربون منكم كلّ بنان ، لا تمتنعون بحيلة ، ولا تدفعون بعزيمة في حومة ذلّ ، وحلقة ضيق ، وعرصة موت ، وجولة بلاء . فأطفئوا ما كمن في قلوبكم من نيران العصبيّة ، وأحقاد الجاهليّة ، فإنّما تلك الحميّة تكون في المسلم من خطرات الشّيطان ونخواته ، ونزغاته ونفثاته ، واعتمدوا وضع التّذلَّل على رؤسكم ، وإلقاء التّعزّز تحت أقدامكم ، وخلع التّكبّر من أعناقكم ، واتّخذوا التّواضع مسلحة ، بينكم وبين عدوّكم : إبليس وجنوده فإنّ له من كلّ أمّة جنودا وأعوانا ، ورجلا وفرسانا . ولا تكونوا كالمتكبّر على ابن أمّه من غير ما فضل جعله اللَّه فيه سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد ، وقدحت الحميّة في قلبه من نار الغضب ، ونفخ الشّيطان في أنفه من ريح الكبر الَّذى أعقبه اللَّه به النّدامة ، وألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة . ألا وقد أمعنتم في البغى ، وأفسدتم في الأرض ، مصارحة للَّه بالمناصبة ، ومبارزة للمؤمنين بالمحاربة فاللَّه اللَّه في كبر الحميّة ، وفخر الجاهليّة ، فانّه ملاقح الشّنآن ، ومنافخ

هامش
( 1 ) سورة الحجر - 39 .