233 - ومن خطبة له عليه السّلام تسمى القاصعة وهي تتضمّن ذمّ إبليس على استكباره وتركه السجود لآدم - عليه السلام - وانّه اوّل من أظهر العصبيّة وتبع الحميّة وتحذير الناس من سلوك طريقته ومن الناس من يسمّي هذه الخطبة « القاصعة » الحمد للَّه الَّذى لبس العزّ والكبرياء ، واختارهما لنفسه دون خلقه ، وجعلهما حمى وحرما على غيره ، واصطفاهما لجلاله ، وجعل اللَّعنة على من نازعه فيهما من عباده . ثمّ اختبر بذلك ملائكته المقرّبين ، ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب . * ( ( إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي ، خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُه ونَفَخْتُ فِيه مِنْ ، رُوحِي فَقَعُوا لَه ساجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ ) ) * ( 1 ) اعترضته الحميّة فافتخر على آدم بخلقه ، وتعصّب عليه لأصله ، فعدوّ اللَّه إمام المتعصّبين ، وسلف المستكبرين ، الَّذى وضع أساس العصبيّة ، ونازع اللَّه رداء الجبريّة ، وادّرع لباس التّعزّز ، وخلع قناع التّذللّ . ألا ترون كيف صغّره اللَّه بتكبّره ووضعه اللَّه بترفّعه فجعله في الدّنيا مدحورا ، وأعدّ له في الآخرة سعيرا . ولو أراد اللَّه أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه ، ويبهر العقول رواؤه ، وطيب يأخذ الأنفاس عرفه لفعل ، ولو فعل لظلَّت له الأعناق خاضعة ، ولخفّت البلوى فيه على الملائكة ، ولكنّ اللَّه - سبحانه - ابتلى خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزا بالاختبار لهم ، ونفيا للاستكبار عنهم ، وإبعادا للخيلاء منهم . فاعتبروا بما كان من فعل اللَّه بإبليس ، إذ أحبط عمله الطَّويل ، وجهده الجهيد ، وكان قد عبد اللَّه ستّة آلاف سنة لا يدرى أمن سنى الدّنيا أم سنى الآخرة - عن كبر ساعة واحدة ، فمن بعد إبليس يسلم على اللَّه بمثل معصيته كلَّا ما كان اللَّه سبحانه ليدخل
اختيار مصباح السالكين — صفحة 449
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٤٤٩
هامش
( 1 ) سورة ص - 71 - 72 - 73 .