ولا يستضيء بالأنوار ، ولا يرهقه ليل ، ولا يجرى عليه نهار ، ليس إدراكه بالأبصار ، ولا علمه بالأخبار .
أقول : غلبه لمقال الواصفين : امتناعه بكمال ذاته وصفاته عن إحاطة وصفهم به . وبطونه : خفاؤه عن تعلَّق الفكر به لجلالته ونزاهته عن مناسبة من شأنه كذلك ، والمقدر : الموجد ، والرّوية : الفكر . والضمير : ما اضمر من عزم وإرادة ونحوهما . ويرهقه : يدركه .
وظاهر تقدّس علم اللَّه تعالى وتنزّه ذاته عن الأسباب واللواحق المذكورة . وانّما لم يكن علمنا له بالاخبار لانّ الاخبار انّما يصدق إذا أسندت إلى محسوس ، تعالى اللَّه عن ذلك .
ومنها في ذكر النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم : أرسله بالضّياء ، وقدّمه في الاصطفاء ، فرتق به المفاتق ، وساور به المغالب وذلَّل به الصّعوبة ، وسهّل به الحزونة ، حتّى سرّح الضّلال عن يمين وشمال .
أقول : أراد بالمفاتق : أمور العالم المتفرقّة ، ورتقها نظامها به . والمساورة : المغالبة .
والصعوبة : صعوبة المشركين . والحزونة حزونة طريق اللَّه . وسرح الضلال عن يمين وشمال : طرح رذيلتى الافراط والتفريط عن قوى النفس العاقلة كالقاء جنبتي الحمل عن ظهر الدابة . وهو من لطيف الاستعارة .
204 - ومن خطبة له عليه السّلام
وأشهد أنّه عدل عدل ، وحكم فصل ، وأشهد أنّ محمّدا عبده وسيّد عباده كلَّما نسخ اللَّه الخلق فرقتين ، جعله في خيرهما ، لم يسهم فيه عاهر ، ولا ضرب فيه فاجر . ألا وإنّ اللَّه قد جعل للخير أهلا ، وللحقّ دعائم ، وللطَّاعة عصما ، وإنّ لكم عند كلّ طاعة عونا من اللَّه : يقول على الألسنة ، ويثبّت الأفئدة ، فيه كفاء لمكتف ، وشفاء لمشتف .