وقوله : تجلَّى بالتنزيل ، إلى آخره : بيان لكيفية ذلك الشحذ والاعداد ، وأسبابه وهى : تدبّر القرآن ، وجلاء ابصار بصائرها بأنوار علومه وحكمته ، وقذف تفسيره في مسامعهم ، كما ينبغي من امام الوقت . ولفظ الصبوح والغبوق : مستعاران . منها : وطال الأمد بهم ، ليستكملوا الخزي ، ويستوجبوا الغير ، حتّى إذا اخلولق الأجل : واستراح قوم إلى الفتن ، وأشالوا عن لقاح حربهم ، لم يمنّوا على اللَّه بالصّبر ، ولم يستعظموا بذل أنفسهم في الحقّ ، حتّى إذا وافق وارد القضاء انقطاع مدّة البلاء حملوا بصائرهم على أسيافهم ، ودانوا لربّهم بأمر واعظهم . حتّى إذا قبض اللَّه رسوله ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، رجع قوم على الأعقاب ، وغالتهم السّبل ، واتّكلوا على الولائج ، ووصلوا غير الرّحم ، وهجروا السّبب الَّذى أمروا بمودّته ، ونقلوا البناء عن رصّ أساسه ، فبنوه في غير موضعه : معادن كلّ خطيئة ، وأبواب كلّ ضارب في غمرة ، قد ماروا في الحيرة ، وذهلوا في السّكرة على سنّة من آل فرعون من منقطع إلى الدّنيا راكن ، أو مفارق للدّين مباين . أقول : أشار بمن طال الأمد بهم : إلى من كان من أهل الجاهلية . وقوله : ليستكملوا ، إلى قوله : الغير ، كقوله تعالى : * ( ( ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ ) * إلى قوله * ( ولا ) ) * ( 1 ) . حتى إذا اخلولق الأجل واستراح قوم منهم إلى الفتن والوقائع . واشالوا عن لقاح حربهم اى : اعدّوا أنفسهم لها كما تعد الناقة نفسها بشول ذنبها ورفعه للقاحها ، وتسمى شائلا . والضمير في قوله : لم تمنّوا : يرجع إلى ذكر سبق للصحابة في هذه الخطبة ، حين قام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله فيهم وبهم للحرب فلم يمنّوا على اللَّه بصبرهم معه ، ولم يستعظموا بذل أنفسهم في نصرة الحق ، حتى إذا وافق وارد القضاء انقطاع مدّة البلاء بدولة الجاهلية ، حمل هؤلاء الذين لم يمنّوا على اللَّه بنصرهم له بصايرهم اى : برؤسهم على سيوفهم في نصرة الدين ، ودانوا لربّهم بأمر عظيم ، وهو الرسول صلى اللَّه عليه وآله
اختيار مصباح السالكين — صفحة 315
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣١٥
هامش
( 1 ) سورة آل عمران - 178 .