أقول : قال بعض الشارحين : فقدان الرّاحة في الموت مخصوص بأهل الشقاوة ، وامّا أولياء اللَّه فلهم الراحة الكبرى كما قال صلى اللَّه عليه وآله : ( ليس للمؤمن راحة دون لقاء اللَّه ) . وقال بعضهم : بل هو عام لانّ بالموت ينقطع متجر الآخرة والازدياد من الكمالات الباقية ، وذلك لا ينافي الخبر لانّ بازدياد الكمال في الحياة يحصل راحة أعظم مما قبله ، ولانّ المعارف لما لم تكن ضروريّه ، لم تتمكن النفوس البشريّة ما دامت في عالم الغربة من الاطَّلاع على ما بعد الموت من الأحوال الاخرويّة ، فبالحرىّ ان يخاف العاقل الموت ويكره سرعته . وان لم تكن له راحة دونه كما نقل عن الحسن بن علي عليهما السلام انّه حين الاحتضار بكى فقال له الحسين عليه السلام : مالي أراك تكاد تجزع مع يقينك بانّك تقدم حيث تقدم على جدّك وأبيك فقال : نعم يا اخى لا شكّ في ذلك ، الَّا انّنى سالك مسلكا لم أسلكه من قبل .
أقول : لا منافاة بين القولين ، لانّه لإراحة في نفس الموت لأحد لكونه مجرّد آلام ومخاوف ، لكنه مستعقب لراحة أولياء اللَّه بلقائه فكانت فيه راحتهم ، وكلامه عليه السلام أشبه بالعموم لانّ الولىّ وغيره لا يجد في الموت راحة حين نزوله . وقوله : انّما ذلك اى : الأمر الَّذى هو احقّ بأن لا يملّ ولا يشبع منه انّما هو ، اى : بمنزلة الحكمة وأراد : الحكمة نفسها ولا يقتضى الكلام انّ شيئا في منزلتها غيرها . واستعار لها لفظ الحياة : باعتبار انّها تحيى القلب الميت بداء الجهل ، ولفظ البصر والسمع : لعين الجاهل واذنه اللتين يستفيد بهما عبرة ، ولفظ الظمآن : للجاهل المتعطَّش إلى العلم ، ولفظ الري : لأنّها كالماء في استغناء النفس بها . وكتاب اللَّه : خبر مبتدأ وامّا : خبر ثان لذلك . بمنزلة الحكمة : خبر اوّل ، والمبتدأ : محذوف تقديره : وهو ، اى : الَّذى بمنزلة الحكمة كتاب اللَّه ، ولا ينافي ذلك أيضا ان يكون نفسه حكمة وتفسيرا لها .
وقوله : تبصرون به ، اى : تهتدون لمقاصدكم الدنيويّة والاخرويّة ، وتنطقون به ، اى : في الفتوى والاستدلال والقصص ونحوه . وتسمعون به أي : ما ينفعكم من الموعظة الحسنة والعبر النافعة . وينطق بعضه ببعض اى : يفسّر بعضا كالمبين للجمل ، والمقيد : للمطلق ، والخاص : للعام . ويشهد بعضه على بعض اى : يستشهد ببعضه على انّ المراد ببعض آخر كذا ، وهو كالَّذى قبله . وقوله : ولا يختلف في اللَّه ، اى : لا يختلف في الدلالة
اختيار مصباح السالكين — صفحة 293
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٩٣