أقول : قفّى : اتبع . والعادل به : الجاعل له عديلا ومثلا .
منها : وإنّما الدّنيا منتهى بصر الأعمى ، لا يبصر ممّا وراءها شيئا ، والبصير ينفذها بصره ويعلم أنّ الدّار وراءها ، فالبصير منها شاخص ، والأعمى إليها شاخص ، والبصير منها متزوّد ، والأعمى لها متزوّد .
أقول : استعار لفظ الأعمى : للجاهل ، لعدم ادراكه لحقائق الأمور كالأعمى ، وكونه لا يبصر من وراء الدنيا شيئا : إشارة إلى جهله بأحوال المعاد . ولفظ البصير : للعالم . ونفوذ بصره : كناية عن ادراكه لما بعد الموت من أحوال الآخرة . وقوله : البصير منها شاخص ، اى العالم منها راحل به قد جعلها طريق سفره إلى اللَّه . والأعمى اى : الجاهل إليها شاخص اى : متطلع إليها بعين بصره وهمه محبّتها . وقوله : والبصير منها متزوّد اى : زاد التقوى والعمل الصالح . والأعمى لها متزوّد اى : جاعل همه ايّاها فهي : زاده الَّذى عليه يعتمد .
منها : واعلموا أن ليس من شيء إلَّا ويكاد صاحبه أن يشبع منه ويملَّه ، إلَّا الحياة فإنّه لا يجد له في الموت راحة ، وإنّما ذلك بمنزلة الحكمة الَّتى هي حياة للقلب الميّت ، وبصر للعين العمياء ، وسمع للأذن الصّمّاء ، ورىّ للظَّمآن ، وفيها الغنى كلَّه والسّلامة : كتاب اللَّه تبصرون به ، وتنطقون به ، وتسمعون به ، وينطق بعضه ببعض ، ويشهد بعضه على بعض ، ولا يختلف في اللَّه ، ولا يخالف بصاحبه عن اللَّه . قد اصطلحتم على الغلّ فيما بينكم ونبت المرعى على دمنكم ، وتصافيتم على حبّ الآمال ، وتعاديتم في كسب الأموال ، لقد استهام بكم الخبيث وتاه بكم الغرور ، واللَّه المستعان على نفسي وأنفسكم .
اختيار مصباح السالكين — صفحة 292
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٩٢