105 - ومن خطبة له عليه السّلام وهى من خطب الملاحم
الحمد للَّه المتجلَّى لخلقه بخلقه ، والظَّاهر لقلوبهم بحجّته ، خلق الخلق من غير رويّة ، إذ كانت الرّويّات لا تليق إلَّا بذوي الضّمائر . وليس بذى ضمير في نفسه خرق علمه باطن غيب السّترات ، وأحاط بغموض عقائد السّريرات .
أقول : تجليه لخلقه بخلقه يعود إلى ظهوره في بدائع مصنوعاته لقلوب عباده . وحجّته : آثار قدرته . وغيب السترات : ما غاب من الأمور المحجوبة عن علوم الخلق .
منها في ذكر النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم : اختاره من شجرة الأنبياء ، ومشكاة الضّياء ، وذؤابة العلياء ، وسرّة البطحاء ، ومصابيح الظَّلمة ، وينابيع الحكمة .
أقول : استعار لفظ الشجرة لصنف الأنبياء أو لآل إبراهيم عليه السلام ، باعتبار فروعها وهى الأنبياء ، وثمرها وهى العلوم ومكارم الأخلاق . ولفظ المشكاة : باعتبار سطوع ضياء النبوّة عنهم . ولفظ الذؤابة وهى ما تدلَّى من الشعر ونحوه : باعتبار هبوط هذا الصنف وتدلَّيهم من مقاوم العزو الشرف وهى حضائر القدس . وبطحاء : مكة بسيط واديها . وسرّة : الوادي اشرف موضع فيه . واستعار لفظ المصابيح : للأنبياء لهداية الخلق بهم . ولفظ الينابيع : لتفجر العلوم والحكمة عنهم .
ومنها : طبيب دوّار بطبّه : قد أحكم مراهمه ، وأحمى مواسمه يضع من ذلك حيث الحاجة إليه : من قلوب عمى ، وآذان صمّ ، وألسنة بكم متّبع بدوائه مواضع الغفلة ، ومواطن الحيرة ، لم يستضيئوا بأضواء الحكمة ولم يقدحوا بزناد العلوم الثّاقبة ، فهم في ذلك كالأنعام
اختيار مصباح السالكين — صفحة 254
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٥٤