تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اختيار مصباح السالكين — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
ما يلحق ذاته المقدّسة من الصفات اعتبارات ذهنية تحدثها العقول ، عند مقايسته إلى مخلوقاته ولا سبق لشيء منها على الآخر ، بالنظر إلى ذاته المقدّسة والَّا لكانت كمالات قابلة للزيادة والنقصان ، وبعضها علة للبعض وأشرف ، وبعضها معلول بعض وانقص بالنظر إلى ذاته وذلك من لواحق الامكان هذا خلف ، وذلك سرّ قوله عليه السّلام : الَّذى لم يسبق له حال حالا : إلى قوله : باطنا ، بل معنى اوليّته هو اعتبارنا كونه تعالى مبدأ لكل موجود ، وآخريته هو اعتبارنا لكونه غاية لكلّ ممكن أو استحقاقه البقاء لذاته ، واستحقاق غيره له ببقائه تعالى وهذه الاعتبارات بالنظر إلى ذاته تعالى على سواء . وقوله : كل مسمّى بالوحدة غيره قليل ، يريد : انّه لا يوصف بالقلَّة وان كان واحدا وذلك أنّ الواحد يقال لمعان ، والمشهور منها هو : كون الشيء مبدأ لكثرة يكون عادّا لها ومكيالا ، وهو الَّذى تلحقه القلَّة والكثرة الاضافيتين ، فانّ كلّ واحد بهذا المعنى قليل بالنّسبة إلى الكثرة الَّتى يصلح ان يكون مبدأ لها ، والمتصوّر لأكثر النّاس كونه تعالى واحدا بهذا المعنى ، فلذلك نزّهه عليه السّلام عنه بذكر لازمه وهو القليل لظهور بطلان هذا اللازم في حقه تعالى ، واستلزام بطلانه بطلان الملزوم المذكور ، وذلَّة الاعزّاء غيره لدخولهم تحت الحاجة اليه ، وضعف كلّ قوىّ غيره لدخوله تحت قهر قدرته التّامّة ، ومملوكية كلّ مالك غيره لدخوله تحت الملك المطلق الَّذى تنفذ مشيئة مالكه في جميع الموجودات باستحقاق دون غيره ، وتعلم كل عالم غيره لكون كل عالم مستفادا من فيض جوده ، وهو العالم المطلق الَّذى لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض ، وعجز غيره عن بعض الأشياء يشهد بكمال قدرته ، وانّها مبدأ قدرة كل قادر . وكونه تعالى سميعا يعود إلى علمه تعالى بالمسموعات لتنزّهه عن الآلة التي من شأنها أن تصم ، لانّ ادراكها للصوت على قرب وبعد ، وحدمّن القوّة والضعف مخصوص فانّه ان كان الصوت ضعيفا جدّا أو بعيدا جدّا لم يصل إلى الصماخ فلم تدركه القوّة السامعة ، فلذلك كانت تصمه عن لطيف الأصوات ، ويذهب عن السامع ما بعد منها وان كان في غاية من القوّة والقرب ، فربما اشتدّ قرعه للصماخ فتفرق اتصال الروح الحامل لقوة السمع عنه ، بحيث يبطل استعدادها لتأدية الصوت ويحدث الصمم فلذلك قال : ويصمه كبيرها . وبحسب تنزّهه تعالى عن هذه الآلة لم يعزب عنه ما خفى من الأصوات ولم يذهب عليه