تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اختيار مصباح السالكين — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
وأقاموا فيه ، فإنّها عند ذوى العقول كفىء الظَّلّ : بينا تراه سابغا حتّى قلص ، وزائدا حتّى نقص . أقول : لا يسلم منها الَّا فيها أي : لا يسلم من عذاب اللَّه عليها في الآخرة الَّا بما فعل فيها من الأعمال الصالحات ، والَّذى يكون لها هو ما يقتنى منها للاستمتاع به ، والالتذاذ بنفعه لانّه هو دون الوصول به إلى الآخرة ، وظاهر انّ ذلك لا يكون به نجاة في الآخرة ، والابتلاء بها اختبار المطيع من العاصي ، وليس المراد منه انّ اللَّه تعالى لا يعلم ما تؤل اليه أحوال العباد ، لأنّه يعلم السرّوا خفى ، بل لما كانت الشرائع الإلهية جاذبة للخلق عنها إلى الغاية الَّتى خلقوا لها ، وكانت محاضر لذّاتها جاذبة لهم بحسب نفوسهم الأمّارة إليها ، فمن أطاع داعى اللَّه وصوارفه عنها فاز فوزا عظيما ، ومن اتّبع هواه بغير هدى من اللَّه خسر خسرانا مبينا ، أشبه ذلك صورة ابتلاء من اللَّه لخلقه بها فاستعير لذلك ، وصف الابتلاء ، ولفظ الفتنة وما أخذ منها لغيرها هو ما يقصد به وجه اللَّه والدار الآخرة من مال يتصدّق ويصرف في سبيل اللَّه ، أو جاه أو عمل للَّه ، وليس ما يقدمون عليه في الآخرة هو عين ما أخذ من الدنيا ، بل ثمرته من ثواب اللَّه ومتاع الآخرة ، وشبهها في شرعة زوالها عند ذوى العقول الناظرين إليها ، باعين بصائرهم بفىء الظَّلّ ، وأشار إلى وجه الشبه ، بقوله : بينا إلى آخره . واصل بينابين بمعنى : الوسيط فاشبعت الفتحة فحدثت ألف ، وقد تزاد فيها ما ، والمعنى واحد . وقلص : نقص . وباللَّه التوفيق .
61 - ومن خطبة له عليه السّلام واتّقوا اللَّه عباد اللَّه ، وبادروا آجالكم بأعمالكم ، وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم ، وترحّلوا فقد جدّبكم ، واستعدّوا للموت فقد أظلَّكم ، وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا ، وعلموا أنّ الدّنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا فإنّ اللَّه سبحانه لم يخلقكم عبثا ، ولم يترككم سدى ، وما بين أحدكم وبين الجنّة أو النّار إلَّا الموت أن ينزل به ، وإنّ غاية