في جعل المنصب ، بل المراد أن تكون فتواه على طبق الرواية ، ولما كان المتعارف
في تلك الأزمنة الافتاء بصورة الرواية ( 1 ) ، قال : ( روى حديثنا ) .
وأما ثانيا : فلأن الظاهر من قوله : ( عرف أحكامنا ) هو المعرفة الفعلية ، وهي
غير حاصلة بجميع الأحكام لغير الأئمة ، بل غير ممكنة عادة ، فجعل المنصب له
لغو فليس المراد معرفة جميع الأحكام ، وصرفها إلى قوة المعرفة وملكة
الاستنباط ، مما لا وجه له ، فيجب صرفها - على فرض الدلالة - إلى معرفة
الأحكام بمقدار معتد به .
وأما ثالثا : فعلى فرض إمكان المعرفة الفعلية بجميع الأحكام ،
لا طريق لتشخيص هذا الفقيه ، فمن أين علم أنه عارف فعلا بجميع
الأحكام ؟ ! فلا معنى للأمر بالرجوع إليه ، فلا بد من الحمل على غيره ، لكن
يجب أن يكون بحيث يصدق عليه أنه ممن روى الحديث ، وعرف أحكامهم
وهو من عرف مقدارا معتدا به منها ، وعليه تحمل صحيحة أبي خديجة ( 2 )
هامش
1 - أنظر الصفحة 27 .
2 - أبو خديجة : هو الشيخ الصالح الثقة الثقة ، سالم بن مكرم بن عبد الله الكناسي ، صاحب الغنم ،
مولى بني أسد الجمال . كان يكنى ، بأبي خديجة فكناه الصادق ( عليه السلام ) أبا سلمة وكان سالم
أولا من أصحاب أبي الخطاب ، فبعث والي الكوفة إليهم رجلا فقتلهم جميعا ، ولم يفلت منهم
إلا أبو خديجة ، فقد سقط على الأرض جراء الجراحات التي أصابته ، فلما جنه الليل خرج
من بينهم وتاب . روى عن الصادق والكاظم ( عليهما السلام ) وعن سعد الإسكاف ، والمعلى بن خنيس ،
وروى عنه أحمد بن عائذ ، وعبد الرحمان بن أبي هاشم ، وعبد الرحمان بن محمد الأسدي .
أنظر رجال النجاشي 188 / 501 ، ورجال الكشي 2 : 641 ، ومعجم رجال الحديث 8 : 26 - 27 .