وفي صفاته ، وفي ملكوت سماواته وسائر مخلوقاته والواصلون إلى هذه الرتبة ينقسمون إلى الأقوياء ، ويكون أول معرفتهم لله تعالى ، ثم به يعرفون غيره ، وإلى الضعفاء ، ويكون أول معرفتهم بالأفعال ، ثم يترقون منها إلى الفاعل وإلى الأول الإشارة بقوله تعالى * ( أَولَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّه ُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ « 1 » ) * وبقوله تعالى * ( شَهِدَ الله أَنَّه ُ لا إِله َ إِلَّا هُوَ « 2 » ) * ومنه نظر بعضهم حيث قيل له بم عرفت ربك قال :
عرفت ربي بربي ، ولولا ربي لما عرفت ربي ، وإلى الثاني الإشارة بقوله تعالى * ( سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّه ُ الْحَقُّ « 3 » ) * الآية وبقوله عز وجل * ( أَولَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأَرْضِ « 4 » ) * وبقوله تعالى * ( قُلِ انْظُرُوا ما ذا في السَّماواتِ والأَرْضِ « 5 » ) * وبقوله تعالى * ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمنِ من تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى من فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وهُوَ حَسِيرٌ « 6 » ) * وهذا الطريق هو الأسهل على الأكثرين ، وهو الأوسع على السالكين ، وإليه أكثر دعوة القرءان عند الأمر بالتدبر ، والتفكر ، والاعتبار والنظر في آيات خارجة عن الحصر فإن قلت : كلا الطريقين مشكل ، فأوضح لنا منهما ما يستعان به على تحصيل المعرفة والتوصل به إلى المحبة ، فاعلم أن الطريق الأعلى هو الاستشهاد بالحق سبحانه على سائر الخلق فهو غامض ، والكلام فيه خارج عن حدّ فهم أكثر الخلق ، فلا فائدة في إيراده في الكتب وأما الطريق الأسهل الأدنى فأكثره غير خارج عن حد الأفهام ، وإنما قصرت الأفهام عنه لإعراضها عن التدبر ، واشتغالها بشهوات الدنيا وحظوظ النفس ، والمانع من ذكر هذا اتساعه وكثرته ، وانشعاب أبوابه الخارجة عن الحصر والنهاية ، إذ ما من ذرة من أعلى السماوات إلى تخوم الأرضين إلا وفيها عجائب آيات تدل على كمال قدرة الله تعالى وكمال حكمته ، ومنتهى جلاله وعظمته ، وذلك مما لا يتناهى * ( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي « 7 » ) * فالخوض فيه انغماس في بحار علوم
هامش
« 1 » فصلت : 53
« 2 » آل عمران : 18
« 3 » الأعراف : 185
« 4 » فصلت : 53
« 5 » يونس : 101
« 6 » الملك : 3 ، 4
« 7 » الكهف : 109