تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
وعرفه أن غذاءه دم الإنسان ، ثم انظر كيف أنبت له آلة الطيران إلى الإنسان ، وكيف خلق له الخرطوم الطويل وهو محدود الرأس ، وكيف هداه إلى مسام بشرة الإنسان حتى يضع خرطومه في واحد منها ، ثم كيف قواه حتى يغرز فيه الخرطوم ، وكيف علمه المص والتجرع للدم ، وكيف خلق الخرطوم مع دقته مجوفا حتى يجرى فيه الدم الرقيق وينتهى إلى باطنه ، وينتشر في سائر أجزائه ويغذيه ، ثم كيف عرفه أن الإنسان يقصده بيده فعلمه حيلة الهرب واستعداد آلته ، وخلق له السمع الذي يسمع به خفيف حركة اليد وهي بعد بعيدة منه فيترك المص ويهرب ، ثم إذا سكنت اليد يعود ، ثم انظر كيف خلق له حدقتين حتى يبصر موضع غذائه فيقصده مع صغر حجم وجهه ، وانظر إلى أن حدقة كل حيوان صغير لما لم تحتمل حدقته الأجفان لصغره ، وكانت الأجفان مصقلة لمرآة الحدقة عن القذى والغبار ، خلق للبعوض والذباب يدبن ، فتنظر إلى الذباب فتراه على الدوام يمسح حدقتيه بيديه ، وأما الإنسان والحيوان الكبير فخلق لحدقتيه الأجفان حتى ينطبق أحدهما على الآخر ، وأطرافهما حادة ، فيجمع الغبار الذي يلحق الحدقة ويرميه إلى أطراف الأهداب ، وخلق الأهداب السود لتجمع ضوء العين ، وتعين على الإبصار ، وتحسن صورة العين ، وتشبكها عند هيجان الغبار ، فينظر من وراء شباك الأهداب ، واشتباكها يمنع دخول الغبار ولا يمنع الإبصار . وأما البعوض فخلق لها حدقتين مصقلتين من غير أجفان ، وعلمها كيفية التصقيل باليدين ، ولأجل ضعف أبصارها تراها تتهافت على السراج ، لأن بصرها ضعيف ، فهي تطلب ضوء النهار ، فإذا رأى المسكين ضوء السراج بالليل ظن أنه في بيت مظلم ، وأن السراج كوة من البيت المظلم إلى الموضع المضيء فلا يزال يطلب الضوء ، ويرمى بنفسه إليه ، فإذا جاوزه ورأى الظلام ظن أنه لم يصب الكوة ولم يقصدها على السداد ، فيعود إليه مرة أخرى إلى أن يحترق . ولعلك تظن أن هذا لنقصانها وجهلها ، فاعلم أن جهل الإنسان أعظم من جهلها . بل صورة الآدمي في الإكباب على شهوات الدنيا صورة الفراش في التهافت على النار ، إذ تلوح للآدمي أنوار الشهوات من حيث ظاهر صورتها ، ولا يدرى أن تحتها السم الناقع القاتل ، فلا يزال يرمى نفسه عليها إلى أن ينغمس فيها ، ويتقيد بها ، ويهلك هلاكا مؤبدا