تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
أحدهما : قطع علائق الدنيا وإخراج حب غير الله من القلب ، فإن القلب مثل الإناء الذي لا يتسع للخل مثل ما لم يخرج منه الماء * ( ما جَعَلَ الله لِرَجُلٍ من قَلْبَيْنِ في جَوْفِه ِ « 1 » ) * وكمال الحب في أن يحب الله عز وجل بكل قلبه ، وما دام يلتفت إلى غيره فزاوية من قلبه مشغولة بغيره . فبقدر ما يشغل بغير الله ينقص منه حب الله . وبقدر ما يبقى من الماء في الإناء ينقص من الخل المصبوب فيه . وإلى هذا التفريد والتجريد الإشارة بقوله تعالى * ( قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهِمْ « 2 » ) * وبقوله تعالى * ( إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقامُوا « 3 » ) * بل هو معنى قولك لا إله إلا الله ، أي لا معبود ولا محبوب سواه ، فكل محبوب فإنه معبود فإن العبد هو المقيد ، والمعبود هو المقيد به ، وكل محب فهو مقيد بما يحبه . ولذلك قال الله تعالى * ( أَرَأَيْتَ من اتَّخَذَ إِلهَه ُ هَواه ُ « 4 » ) * وقال صلى الله عليه وسلم « أبغض إله عبد في الأرض الهوى » ولذلك قال عليه السلام [ 1 ] « من قال لا إله إلَّا الله مخلصا دخل الجنّة » ومعنى الإخلاص أن يخلص قلبه لله ، فلا يبقى فيه شرك لغير الله فيكون الله محبوب قلبه ، ومعبود قلبه ، ومقصود قلبه فقط ومن هذا حاله فالدنيا سجنه ، لأنها مانعة له من مشاهدة محبوبه . وموته خلاص من السجن وقدوم على المحبوب . فما حال من ليس له إلا محبوب واحد ، وقد طال إليه شوقه ، وتمادى عنه حبسه ، فخلى من السجن ، ومكن من المحبوب ، وروّح بالأمن أبد الآباد ؟ فأحد أسباب ضعف حب الله في القلوب قوّة حب الدنيا ، ومنه حب الأهل ، والمال ، والولد ، والأقارب ، والعقار ، والدواب ، والبساتين ، والمنتزهات ، حتى أن المتفرح بطيب أصوات الطيور وروح نسيم الأسحار ملتفت إلى نعيم الدنيا ، ومتعرض لنقصان حب الله تعالى بسببه . فبقدر ما أنس بالدنيا فينقص أنه باللَّه ، ولا يؤتى أحد من الدنيا شيئا إلا وينقص بقدره من الآخرة بالضرورة ، كما أنه لا يقرب الإنسان من المشرق إلا ويبعد بالضرورة من المغرب بقدره ، ولا يطيب قلب امرأته إلا ويضيق به قلب ضرتها . فالدنيا والآخرة ضرتان ، وهما كالمشرق والمغرب ، وقد انكشف ذلك لذوي القلوب انكشافا
شرح
[ 1 ] حديث من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة : تقدم
هامش
« 1 » الأحزاب : 4 « 2 » الأنعام : 91 « 3 » الأحقاف : 13 « 4 » الفرقان : 43