تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
دنياكم ثلاث الطيب والنّساء وجعل قرّة عيني في الصّلاة « فسمي الطيب محبوبا ، ومعلوم أنه لاحظ للعين والسمع فيه ، بل للشم فقط . وسمى النساء محبوبات ، ولا حظَّ فيهن إلا للبصر واللمس ، دون الشم ، والذوق ، والسمع . وسمي الصلاة قرة عين ، وجعلها أبلغ المحبوبات ، ومعلوم أنه ليس تحظى بها الحواس الخمس ، بل حس سادس مظنته القلب ، لا يدركه إلا من كان له قلب . ولذات الحواس الخمس تشارك فيها البهائم الإنسان ، فإن كان الحب مقصورا على مدركات الحواس الخمس ، حتى يقال إن الله تعالى لا يدرك بالحواس ولا يتمثل في الخيال فلا يحب ، فإذا قد بطلت خاصية الإنسان وما تميز به من الحس السادس الذي يعبر عنه إما بالعقل ، أو بالنور ، أو بالقلب ، أو بما شئت من العبارات ، فلا مشاحة فيه وهيهات . فالبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر . والقلب أشد إدراكا من العين وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار ، فتكون لا محالة لذة القلب بما يدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي تجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى . ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما في إدراكه لذة ، كما سيأتي تفصيله ، فلا ينكر إذا حب الله تعالى إلا من قعد به القصور في درجة البهائم ، فلم يجاوز إدراك الحواس أصلا الأصل الثالث : أن الإنسان لا يخفى أنه يحب نفسه ، ولا يخفى أنه قد يحب غيره لأجل نفسه وهل يتصور أن يحب غيره لذاته لا لأجل نفسه ؟ هذا مما قد يشكل على الضعفاء حتى يظنون أنه لا يتصور أن يحب الإنسان غيره لذاته ، ما لم يرجع منه حظ إلى المحب سوى إدراك ذاته والحق أن ذلك متصور وموجود ، فلنبين أسباب المحبة ، وأقسامها وبيانه أن المحبوب الأول عند كل حي نفسه وذاته . ومعنى حبه لنفسه أن في طبعه ميلا إلى دوام وجوده ، ونفرة عن عدمه وهلاكه ، لأن المحبوب بالطبع هو الملائم للمحب ، وأي شيء أتم ملاءمة من نفسه ودوام وجوده ، وأي شيء أعظم مضادة ومنافرة له من عدمه وهلاكه ! فلذلك يحب الإنسان دوام الوجود ، ويكره الموت والقتل ، لا لمجرد ما يخافه بعد الموت ، ولا لمجرد الحذر من سكرات الموت ، بل لو اختطف ، من غير ألم ، وأميت من غير ثواب ولا عقاب لم يرض به ، وكان كارها لذلك . ولا يحب الموت والعدم المحض
إحياء علوم الدين — صفحة 45 | الغزالي