دفعه ، وهو جبلة وفطرة لا سبيل إلى تغييرها . وبهذا السبب قد يجب الإنسان الأجنبي الذي لا قرابة بينه وبينه ولا علاقة . وهذا إذا حقق رجع إلى السبب الأول ، فإن المحسن من أمد بالمال والمعونة ، وسائر الأسباب الموصلة إلى دوام الوجود . وكمال الوجود ، وحصول الحظوظ التي بها يتهيأ الوجود ، إلا أن الفرق أن أعضاء الإنسان محبوبة لأن بها كمال وجوده ، وهي عين الكمال المطلوب فأما المحسن فليس هو عين الكمال المطلوب ولكن قد يكون سببا له ، كالطبيب الذي يكون سببا في دوام صحة الأعضاء ، ففرق بين حب الصحة ، وبين حب الطبيب الذي هو سبب الصحة ، إذا الصحة مطلوبة لذاتها ، والطبيب محبوب لا لذاته ، بل لأنه سبب للصحة . وكذلك العلم محبوب . والأستاذ محبوب ، ولكن العلم محبوب لذاته ، والأستاذ محبوب لكونه سبب العلم المحبوب . وكذلك الطعام والشراب محبوب ، والدنانير محبوبة ، لكن الطعام محبوب لذاته ، والدنانير محبوبة لأنها وسيلة إلى الطعام فإذا يرجع الفرق إلى تفاوت الرتبة ، وإلا فكل واحد يرجع إلى محبة الإنسان نفسه .
فكل من أحب المحسن لإحسانه فما أحب ذاته تحقيقا ، بل أحب إحسانه ، وهو فعل من أفعاله لو زال زال الحب ، مع بقاء ذاته تحقيقا . ولو نقص نقص الحب ، ولو زاد زاد .
ويتطرق إليه الزيادة والنقصان بحسب زيادة الإحسان ونقصانه السبب الثالث : أن يحب الشيء لذاته ، لا لحظ ينال منه وراء ذاته ، بل تكون ذاته عين حظه . وهذا هو الحب الحقيقي البالغ الذي يوثق بدوامه ، وذلك كحب الجمال والحسن فإن كل جمال محبوب عند مدرك الجمال ، وذلك لعين الجمال ، لأن إدراك الجمال فيه عين اللذة ، محبوبة لذاتها لا لغيرها . ولا نظنن أن حب الصور الجميلة لا يتصوّر إلا لأجل قضاء الشهوة ، فإن قضاء الشهوة لذة أخرى قد تحب الصور الجميلة لأجلها ، وإدراك نفس الجمال أيضا لذيذ ، فيجوز أن يكون محبوبا لذاته . وكيف ينكر ذلك والخضرة والماء الجاري محبوب ، لا ليشرب الماء وتؤكل الخضرة أو ينال منها حظ سوى نفس الرؤية وقد [ 1 ] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الخضرة والماء الجاري . والطباع السليمة قاضية
شرح
[ 1 ] حديث كان يعجبه الخضرة والماء الجاري : أبو نعيم في الطب النبوي من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن ينظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري واسناده ضعيف