وقال الحسن : من عرف ربه أحبه ، ومن عرف لدنيا زهد فيها ، والمؤمن لا يلهو حتى يغفل فإذا تفكر حزن ، وقال أبو سليمان الدراني . إن من خلق الله خلقا ما يشغلهم الجنان وما فيها من النعيم عنه فكيف يشتغلون عنه بالدنيا ويروى أن عيسى عليه السلام مرّ بثلاثة نفر وقد نحلت أبدانهم ، وتغيرت ألوانهم ، فقال لهم ما الذي بلغ بكم ما أرى ! فقالوا الخوف من النار . فقال حق على الله أن يؤمّن الخائف . ثم جاوزهم إلى ثلاثة آخرين ، فإذا هم أشد نحو لا وتغيرا فقال . ما الذي بلغ بكم ما أرى ! قالوا الشوق إلى الجنة . فقال حق على الله أن يعطيكم ما ترجون . ثم جاوزهم إلى ثلاثة آخرين ، فإذا هم أشد نحو لا وتغيرا ، كأن على وجوههم المرئي من النور ، فقال : ما الذي بلغ بكم ما أرى ! قالوا نحب الله عز وجل . فقال أنتم المقربون ، أنتم المقربون ، أنتم المقربون وقال عبد الواحد بن زيد : مررت برجل قائم في الثلج ، فقلت أما تجد البرد ؟ فقال من شغله حب الله لم يجد البرد . وعن سرى السقطي قال : تدعى الأمم يوم القيامة بأنبيائها عليهم السلام ، فيقال يا أمة موسى ، ويا أمة عيسى ، ويا أمة محمد ، غير المحبين لله تعالى ، فإنهم ينادون يا أولياء الله ، هلموا إلى الله سبحانه ، فتكاد قلوبهم تنخلع فرحا . وقال هرم بن حيان : المؤمن إذا عرف ربه عز وجل أحبه ، وإذا أحبه أقبل إليه ، وإذا وجد حلاوة الإقبال إليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة ، ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة ، وهي تحسره في الدنيا وتروحه في الآخرة وقال يحيى بن معاذ : عفوه يستغرق الذنوب فكيف رضوانه ! ورضوانه يستغرق الآمال فكيف حبه ! و ، حبه يدهش العقول فكيف وده ! ووده ينسى ما دونه فكيف لطفه ! وفي بعض الكتب : عبدي أنا وحقّك لك محب ، فبحقي عليك كن لي محبا وقال يحيى بن معاذ : مثقال خردلة من الحب أحب إليّ من عبادة سبعين سنة بلا حب وقال يحيي بن معاذ : إلهي أنى مقيم بفنائك ، مشغول بثنائك صغيرا ، أخذتني إليك ، وسربلتني بمعرفتك ، وأمكنتنى من لطفك ، ونقلتنى في الأحوال ، وقلبتنى في الأعمال سترا ، وتوبة ، وزهدا ، وشوقا ، ورضا ، وحبا ، تسقيني من حياضك ، وتهملنى في رياضك ، ملازما لأمرك ، ومشغوفا بقولك ، ولما طر شاربي ولا طائرى فكيف أنصرف اليوم عنك كبيرا ، وقد اعتدت هذا منك صغيرا ! فلم ما بقيت حولك دندنة ، وبالضراعة إليك همهمة ، لأني محب ، وكل
إحياء علوم الدين — صفحة 43
مساهمون: الغزالي
ص٤٣