تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
ويتمنى أن لو كفي شر الجوع ، حتى لا يحتاج إلى الأكل ، فلا يبقى في قلبه حظ من الفضول الزائدة على الضرورة ، ويكون قدر الضرورة مطلوبا عنده ، لأنه ضرورة دينه فلا يكون له هم إلا الله تعالى ، فمثل هذا الشخص لو أكل أو شرب ، أو قضى حاجته ، كان خالص العمل صحيح النية في جميع حركاته وسكناته ، فلو نام مثلا حتى يريح نفسه ليتقوى على العبادة بعده كان نومه عبادة ، وكان له درجة المخلصين فيه ، ومن ليس كذلك فباب الإخلاص في الأعمال مسدود عليه إلا على الندور ، وكما أن من غلب عليه حب الله وحب الآخرة فاكتسبت حركاته الاعتيادية صفة همه وصارت إخلاصا ، فالذي يغلب على نفسه الدنيا والعلو والرئاسة وبالجملة غير الله فقد اكتسبت جميع حركاته تلك الصفة ، فلا تسلم له عباداته من صوم وصلاة وغير ذلك إلا نادرا فإذا علاج الإخلاص كسر حظوظ النفس ، وقطع الطمع عن الدنيا ، والتجرد للآخرة ، بحيث يغلب ذلك على القلب ، فإذا ذاك يتيسر الإخلاص . وكم من أعمال يتعب الإنسان فيها ويظن أنها خالصة لوجه الله ، ويكون فيها مغرورا ، لأنه لا يرى وجه الآفة فيها ، كما حكي عن بعضهم أنه قال : قضيت صلاة ثلاثين سنة كنت صليتها في المسجد في الصف الأول ، لأني تأخرت يوما لعذر فصليت في الصف الثاني ، فاعترتنى خجلة من الناس حيث رأوني في الصف الثاني ، فعرفت أن نظر الناس إلي في الصف الأول كان مسرتي ، وسبب استراحة قلبي ، من حيث لا أشعر ، وهذا دقيق غامض قلما تسلم الأعمال من أمثاله ، وقيل من يتنبه له إلا من وفقه الله تعالى ، والغافلون عنه يرون حسنانهم كلها في الآخرة سيئات وهم المرادون بقوله تعالى * ( وبَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا « 1 » ) * وبقوله تعالى * ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَياةِ الدُّنْيا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً « 2 » ) * وأشد الخلق تعرضا لهذه الفتنة العلماء فإن الباعث للأكثرين على نشر العلم لذة الاستيلاء والفرح بالاستتباع ، والاستبشار بالحمد والثناء ، والشيطان يلبس عليهم ذلك ، ويقول . غرضكم نشر دين الله ، والنضال عن الشرع الذي . شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترى الواعظ يمن على الله تعالى بنصيحة الخلق ،
هامش
« 1 » الزمر : 47 ، 48 « 2 » الكهف : 103
إحياء علوم الدين — صفحة 185 | الغزالي