تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
* ( من بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ « 1 » ) * فإنما خلوص اللبن أن لا يكون فيه شوب من الدم والفرث ، ومن كل ما يمكن أن يمتزج به . والإخلاص بضاده الإشراك ، فمن ليس مخلصا فهو مشرك ، إلا أن الشرك درجات ، فالإخلاص في التوحيد يضاده التشريك . في الإلهية ، والشرك منه خفي ، ومنه جلي ، وكذا الإخلاص ، والإخلاص وضده يتواردان على القلب ، فمحله القلب وإنما يكون ذلك في القصود والنيات ، وقد ذكرنا حقيقة النية ، وأنها ترجع إلى إجابة البواعث ، فمهما كان الباعث واحدا على التجرد سمي الفعل الصادر عنه إخلاصا ، بالإضافة إلى المنوي ، فمن تصدق وغرضه محض الرياء فهو مخلص ، ومن كان غرضه محض التقرب إلى الله تعالى فهو مخلص ، ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب ، كما أن الإلحاد عبارة عن الميل ، ولكن خصصته العادة بالميل عن الحق ، ومن كان باعثه مجرد الرياء فهو معرض للملاك ، ولسنا نتكلم فيه ، إذ قد ذكرنا ما يتعلق به في كتاب الرياء من ربع المهلكات ، وأقل أموره ما ورد في الخبر ، من [ 1 ] أن المرائي يدعى يوم القيامة بأربع أسام ، يا مرائي ، يا مخادع ، يا مشرك ، يا كافر ، وإنما نتكلم الآن فيمن انبعث لقصد التقرب ، ولكن امتزج بهذا الباعث باعث آخر ، إما من الرياء أو من غيره من حظوظ النفس ، ومثال ذلك أن يصوم لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب ، أو يعتق عبدا ليتخلص من مئونته وسوء خلقه ، أو يحج ليصح مزاجه بحركة السفر ، أو يتخلص من شر يعرض له في بلده ، أو ليهرب عن عدو له في منزله ، أو يتبرم بأهله وولده ، أو بشغل هو فيه . فأراد أن يستريح منه أياما ، أو ليغزو ليمارس الحرب ويتعلم أسبابه ويقدر به على تهيئة العساكر وجرها ، أو يصلى بالليل وله غرض في دفع النعاس عن نفسه به ليراقب أهله ، أو رحله ، أو يتعلم العلم ليسهل عليه طلب ما يكفيه من المال ، أو ليكون عزيزا بين العشيرة ، أو ليكون عقاره أو ماله محروسا بعز العلم عن الأطماع أو اشتغل بالدرس والوعظ ليتخلص عن كرب الصمت ويتفرج بلذة الحديث ، أو تكفل بخدمة العلماء أو الصوفية لتكون حرمته وافرة عندهم وعند الناس ، أو لينال به رفقا في الدنيا
شرح
[ 1 ] حديث ان المرائي يدعى يوم القيامة يا مرائي يا مخادع - الحديث : ابن أبي الدنيا في كتاب السنة والإخلاص وقد تقدم
هامش
« 1 » النحل : 66