تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
أو كتب مصحفا ليجود بالمواظبة على الكتابة خطه . أو حج ماشيا ليخفف عن نفسه الكراء أو توضأ ليتنظف ، أو يتبرد ، أو اغتسل لتطيب رائحته ، أو روى الحديث ليعرف بعلو الاسناد ، أو اعتكف في المسجد ليخف كراء المسكن ، أو صام ليخفف عن نفسه التردد في طبخ الطعام ، أو ليتفرغ لأشغاله فلا يشغله الأكل عنها ، أو تصدق على السائل ليقطع إبرامه في السؤال عن نفسه ، أو يعود مريضا ليعاد إذا مرض ، أو يشيع جنازة ليشيع جنائز أهله ، أو يفعل شيئا من ذلك ليعرف بالخير ويذكر به وينظر إليه بعين الصلاح والوقار ، فمهما كان باعثه هو التقرب إلى الله تعالى ، ولكن انضاف إليه خطرة من هذه الخطرات حتى صار العمل أخف عليه ، بسبب هذه الأمور فقد خرج عمله عن حد الإخلاص ، وخرج عن أن يكون خالصا لوجه الله تعالى وتتطرق إليه الشرك ، وقد قال تعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشركة وبالجملة كل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس ، ويميل إليه القلب ، قل أم كثر إذا تطرق إلى العمل تكدر به صفوه ، وزال به إخلاصه ، والإنسان مرتبط في حظوظه منغمس في شهواته ، قلما ينفك فعل من أفعاله ، وعبادة من عباداته ، عن حظوظ وأغراض عاجلة من هذه الأجناس ، فلذلك قيل . من سلم له من عمره لحظة واحدة خالصة لوجه الله نجا ، وذلك لعزة الإخلاص ، وعسر تنقية القلب عن هذه الشوائب ، بل الخالص هو الذي لا باعث عليه إلا طلب القرب من الله تعالى ، وهذه الحظوظ إن كانت هي الباعثة وحدها فلا يخفى شدة الأمر على صاحبه فيها ، وإنما نظرنا فيما إذا كان القصد الأصلي هو التقرب وانضافت إليه هذه الأمور ، ثم هذه الشوائب ، إما أن تكون في رتبة الموافقة ، أو في رتبة المشاركة ، أو في رتبة المعاونة كما سبق في النية وبالجملة فإما أن يكون الباعث النفسي مثل الباعث الديني ، أو أقوى منه ، أو أضعف ، ولكل واحد حكم آخركما سنذكره ، وإنما الإخلاص تخليص العمل عن هذه الشوائب كلها ، قليلها وكثيرها ، حتى يتجرد فيه قصد التقرب فلا يكون فيه باعث سواه ، وهذا لا يتصور إلا من محب الله مستهتر بالله مستغرق الهم بالآخرة بحيث لم يبق لحب الدنيا في قلبه قرار ، حتى لا يحب الأكل والشرب أيضا ، بل تكون رغبته فيه كرغبته في قضاء الحاجة من حيث إنه ضرورة الجبلة ، فلا يشتهي الطعام لأنه طعام ، بل لأنه يقويه على عبادة الله تعالى ،