يحمل الأشياء لهم لسقوطه عندهم . وكان الصبيان يلعبون به ، فكانت راحته ركود قلبه ، واستقامة حاله في ذله وخموله . فهكذا حال أولياء الله تعالى . ففي أمثال هؤلاء ينبغي أن يطلبوا . والمغرورون إنما يطلبونهم تحت المرقعات والطيالسة ، وفي المشهورين بين الخلق بالعلم والورع ، والرئاسة . وغيره الله تعالى على أوليائه تأبى إلا إخفاءهم ، كما قال تعالى : أوليائي تحت قبابي ، لا يعرفهم غيري . وقال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره » وبالجملة فأبعد القلوب عن مشام هذه المعاني القلوب المتكبرة ، والمعجبة بأنفسها ، المستبشرة يعملها وعلمها . وأقرب القلوب إليها القلوب المنكسرة ، المستشعرة ذل نفسها استشعارا إذا ذل واهتضم لم يحس بالذل ، كما لا يحس العبد بالذل مهما ترفع عليه مولاه . فإذا لم يحس بالذل ولم يشعر أيضا بعدم التفاته إلى الذل ، بل كان عند نفسه أخس منزلة من أن يرى جميع أنواع الذل ذلا في حقه ، بل يرى نفسه دون ذلك ، حتى صار التواضع بالطبع صفة ذات ، فمثل هذا القلب يرجى له أن يستنشق مبادى هذه الروائح . فإن فقدنا مثل هذا القلب ، وحرمنا مثل هذا الروح ، فلا ينبغي أن يطرح الإيمان بإمكان ذلك لأهله . فمن لا يقدر أن يكون من أولياء الله فليكن محبا لأولياء الله ، مؤمنا بهم ، فعسى أن يحشر مع من أحب ويشهد لهذا ما روي أن عيسى عليه السلام قال لبني إسرائيل : أين ينبت الزرع ؟ قالوا في التراب . فقال : بحق أقول لكم ، لا تنبت الحكمة إلا في قلب مثل التراب ولقد انتهى المريدون لولاية الله تعالى في طلب شروطها بإزلال النفس إلى منتهى الضعة والخسة ، حتى روي أن ابن الكريبي وهو أستاذ الجنيد ، دعاه رجل إلى طعام ثلاث مرات ، ثم كان يرده ، ثم يستدعيه فيرجع إليه بعد ذلك ، حتى أدخله في المرة الرابعة ، فسأله عن ذلك . فقال : قد رضت نفسي على الذل عشرين سنة ، حتى صارت بمنزلة الكلب يطرد فينطرد . ثم يدعى فيرمى له عظم فيعود ، ولو رددتني خمسين مرة ثم دعوتني بعد ذلك لأجبت وعنه أيضا أنه قال : نزلت في محلة ، فعرفت فيها بالصلاح ، فتشتت علي قلبي ، فدخلت الحمام وعدلت إلى ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها ، ثم لبست مرقعتى فوقها وخرجت ، وجعلت أمشى قليلا قليلا ، فلحقونى فنزعوا مرقعتى ، وأخذوا الثياب ، وصفعونى وأوجعونى
شرح
[ 1 ] حديث رب أشعث أغبر ذي طمرين : مسلم من حديث أبي هريرة وقد تقدم