مما سواك ، لا حاجة لي بهذا ، فلم أزل أتضرع حتى صرفين الله عنى فأمثال هذه المكاشفات لا ينبغي أن ينكرها المؤمن لإفلاسه عن مثلها ، فلو لم يؤمن كل واحد إلا بما يشاهده من نفسه المظلمة ، وقلبه القاسي ، لضاق مجال الإيمان عليه . بل هذه أحوال تظهر بعد مجاوزة عقبات ، ونيل مقامات كثيرة ، أدناها الإخلاص ، وإخراج حظوظ النفس وملاحظة الخلق عن جميع الأعمال ظاهرا وباطنا ، ثم مكاتمة ذلك عن الخلق بستر الحال ، حتى يبقى متحصنا بحصن الخمول . فهذه أوائل سلوكهم ، وأقل مقاماتهم ، وهي أعز موجود في الأتقياء من الناس . وبعد تصفية القلب عن كدورة الالتفات إلى الخلق يفيض عليه نور اليقين ، وينكشف له مبادى الحق ، وإنكار ذلك دون التجربة وسلوك الطريق يجرى مجرى إنكار من أنكر إمكان انكشف الصورة في الحديدة إذا شكلت ، ونقيت ، وصقلت ، وصورت بصورة المرآة ، فنظر المنكر إلى ما في يده من زبرة حديد مظلم قد استولى عليه الصدأ والخبث ، وهو لا يحكى صورة من الصور ، فأنكر إمكان انكشاف .
المرئي فيها عند ظهور جوهرها وإنكار ذلك غاية الجهل والضلال فهذا حكم كل من أنكر كرامات الأولياء ، إذ لا مستند له إلا قصوره عن ذلك . وقصور من رآه ، وبئس المستند ذلك في إنكار قدرة الله تعالى . بل إنما يشم روائح المكاشفة من سلك شيئا ولو من مبادى الطريق ، كما قيل لبشر : بأي شيء بلغت هذه المنزلة ؟ قال . كنت أكاتم الله تعالى حالي . معناه أسأله أن يكتم علي ويخفى أمري . وروي أنه رأى الخضر عليه السلام فقال له : ادع الله تعالى لي . فقال : يسر الله عليك طاعته ، قلت : زدني قال : وسترها عليك . فقيل معناه سترها عن الخلق ، وقيل معناه سترها عنك حتى لا تلتفت أنت إليها وعن بعضهم أنه قال : أقلقني الشوق إلى الخضر عليه السلام ، فسألت الله تعالى مرة أن يريني إياه ليعلمني شيئا كان أهم الأشياء علي . قال : فرأيته ، فما غلب علي همى ولا همتي إلا أن قلت له : يا أبا العباس ، علمني شيئا إذا قلته حجبت عن قلوب الخليقة فلم يكن لي فيها قدر ، ولا يعرفني أحد بصلاح ولا ديانة . فقال : قل اللهم أسبل علي كثيف سترك ، وحط علي سرادقات حجبك ، واجعلني في مكنون غيبك واحجبني عن قلوب خلقك . قال : ثم غاب فلم أره ، ولم أشتق إليه بعد ذلك . فما زلت أقول هذه الكلمات في كل يوم . فحكى أنه صار بحيث كان يستذل ويمتهن ، حتى كان أهل الذمة يسخرون به ، ويستسخرونه في الطرق
إحياء علوم الدين — صفحة 146
مساهمون: الغزالي
ص١٤٦