فلما أكثر عليه أبو تراب من قوله لو رأيت أبا يزيد ، هاج وجد المريد فقال : ويحك ، ما أصنع بأبي يزيد ؟ قد رأيت الله تعالى فأغنانى عن أبي يزيد . قال أبو تراب . فهاج طبعى ، ولم أملك نفسي ، فقلت : ويلك . تغتر بالله عز وجل ! لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة . قال : فبهت الفتى من قوله وأنكره ، فقال : وكيف ذلك ؟ قال له : ويلك ، أما ترى الله تعالى عندك فيظهر لك على مقدارك ، وترى أبا يزيد عند الله قد ظهر له على مقداره فعرف ما قلت ، فقال : احملني إليه . فذكر قصة قال في آخرها : فوقفنا على تل ننتظره ليخرج إلينا من الغيضة ، وكان يأوى إلى غيضة فيها سباع ، قال : فمر بنا وقد قلب فروة على ظهره ، فقلت للفتى هذا أبو يزيد فانظر إليه . فنظر إليه الفتى فصعق ، فحركناه فإذا هو ميت ، فتعاونا على دفنه . فقلت لأبي يزيد : يا سيدي نظره إليك قتله . قال لا : ولكن كان صاحبكم صادقا ، واستكن في قلبه سر لم ينكشف له بوصفه فلما رآنا انكشف له سر قلبه ، فضاق عن حمله لأنه في مقام الضعفاء المريدين ، فقتله ذلك . ولما دخل الزنج البصرة فقتلوا الأنفس ، ونهبوا الأموال ، اجتمع إلى سهل إخوانه فقالوا : لو سألت الله تعالى دفعهم ؟ فسكت ثم قال :
إن الله عبادا في هذه البلدة لو دعوا على الظالمين لم يصبح على وجه الأرض ظالم إلا مات في ليلة واحدة ولكن لا يفعلون . قيل لم ؟ قال لأنهم لا يحبون ما لا يحب . ثم ذكر من إجابة الله أشياء لا يستطاع ذكرها حتى قال : ولو سألوه أن لا يقيم الساعة لم يقمها وهذه أمور ممكنة في أنفسها ، فمن لم يحظ بشيء منها فلا ينبغي أن يخلو عن التصديق والإيمان بإمكانها ، فإن القدرة واسعة ، والفضل عميم ، وعجائب الملك والملكوت كثيرة ، ومقدورات الله تعالى لا نهاية لها . وفضله على عباده الذين اصطفى لا غاية له . ولذلك كان أبو يزيد يقول : إن أعطاك مناجاة موسى ، وروحانية عيسى ، وخلة إبراهيم ، فاطلب ما وراء ذلك ، فإن عنده فوق ذلك أضعافا مضاعفة فإن سكنت إلى ذلك حجبك به وهذا بلاء مثلهم ، ومن هو في مثل حالهم ، لأنهم الأمثل فالأمثل وقد قال بعض العارفين : كوشفت بأربعين حوراء ، رأيتهن يتساعين في الهواء ، عليهن ثياب من ذهب ، وفضة وجوهر ، يتخشخش ويتثنى معهن ، فنظرت إليهن نظرة ، فعوقب أربعين يوما ، ثم كوشفت بعد ذلك بثمانين حوراء فوقهن في الحسن والجمال ، وقيل لي انظر إليهن ، قال فسجدت وغمضت عيني في سجودى لئلا أنظر إليهن ، وقلت : أعوذ بك
إحياء علوم الدين — صفحة 145
مساهمون: الغزالي
ص١٤٥