والأسباب التي تدعو إليها ، لأجل التنفير عن المعصية ليست مذمومة ، فما زال السلف الصالح يعتادون ذلك ، حتى اتفق جماعة على ذم بغداد ، وإظهارهم ذلك ، وطلب الفرار منها ، فقال ابن المبارك : قد طفت الشرق والغرب فما رأيت بلدا شرا من بغداد . قيل وكيف ؟ قال مولد تزدرى فيه نعمة الله ، وتستصغر فيه معصية الله ولما قدم خراسان قيل له . كيف رأيت بغداد ؟
قال ما رأيت بها إلا شرطيا غضبان ، أو تاجرا لهفان ، أو قارئا حيران . ولا ينبغي أن تظن أن ذلك من الغيبة ، لأنه لم يتعرض لشخص بعينه حتى يستضر ذلك الشخص به وإنما قصد بذلك تحذير الناس وكان يخرج إلى مكة ، وقد كان مقامه ببغداد ، يرقب استعداد القافلة ستة عشر يوما ، فكان يتصدق بستة عشر دينارا ، لكل يوم دينار كفارة لمقامه وقد ذم العراق جماعة كعمر بن عبد العزيز ، وكعب الأحبار . وقال ابن عمر رضي الله عنهما لمولى له : أين تسكن ؟ فقال العراق . قال فما تصنع به ، بلغني أنه ما من أحد يسكن العراق إلا قيض الله له قرينا من البلاء وذكر كعب الأحبار يوما العراق فقال : فيه تسعة أعشار الشر ، وفيه الداء العضال وقد قيل : قسم الخير عشرة أجزاء ، فتسعة أعشاره بالشام ، وعشره بالعراق ، وقسم الشر عشرة أجزاء على العكس من ذلك وقال بعض أصحاب الحديث : كنا يوما عند الفضيل بن عياض فجاءه صوفي متدرع بعباءة فأجلسه إلى جانبه . وأقبل عليه ثم قال : أين تسكن ؟ فقال بغداد . فأعرض عنه وقال : يأتينا أحدهم في زي الرهبان ، فإذا سألناه أين تسكن قال في عش الظلمة وكان بشر بن الحارث يقول : مثال المتعبد ببغداد مثال المتعبد في الحش . وكان يقول لا تقتدوا بي في المقام بها ، من أراد أن يخرج فليخرج وكان أحمد بن حنبل يقول : لولا تعلق هؤلاء الصبيان بنا كان الخروج من هذا البلد آثر في نفسي . قيل وأين تختار السكنى ؟ قال بالثغور وقال بعضهم وقد سئل عن أهل بغداد : زاهدهم زاهد ، وشريرهم شرير فهذا يدل على أن من بلي بلدة تكثر فيها المعاصي ، ويقل فيها الخير ، فلا عذر له في المقام بها
إحياء علوم الدين — صفحة 142
مساهمون: الغزالي
ص١٤٢