تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
مسبب الأسباب ، فكذلك الدعاء سبب رتبه لله تعالى وأمر به ، وقد ذكرنا أن التمسك بالأسباب جريا على سنة الله تعالى لا يناقض التوكل ، واستقصيناه في كتاب التوكل ، فهو أيضا لا يناقض الرضا ، لأن الرضا مقام ملاصق للتوكل ، ويتصل به . نعم إظهار البلاء في معرض الشكوى ، وإنكار بالقلب على الله تعالى مناقض للرضا . وإظهار البلاء على سبيل الشكر ، والكشف عن قدرة الله تعالى لا يناقض وقد قال بعض السلف : من حسن الرضا بقضاء الله تعالى أن لا يقول هذا يوم حار . أي في معرض الشكاية ، وذلك في الصيف . فأما في الشتاء فهو شكر . والشكوى تناقض الرضا بكل حال . وذم الأطعمة وعيبها يناقض الرضا بقضاء الله تعالى ، لأن مذمة الصنعة مذمة للصانع ، والكل من صنع الله تعالى وقول القائل . الفقر بلاء ومحنة ، والعيال هم وتعب ، والاحتراف كد ومشقة ، كل ذلك قادح في الرضا . بل ينبغي أن يسلم التدبير لمدبره ، والمملكة لمالكها ، ويقول ما قاله عمر رضي الله عنه : لا أبالي أصبحت غنيا أو فقيرا ، فإني لا أدرى أيهما خير لي بيان أن الفرار من البلاد التي هي مظان المعاصي ومذمتها لا يقدح في الرضا اعلم أن الضعيف قد يظن [ 1 ] أن نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخروج من بلد ظهر به الطاعون ، يدل على النهي عن الخروج من بلد ظهرت فيه المعاصي ، لأن كل واحد منهما فرار من قضاء الله تعالى ، وذلك محال : بل العلة في النهي عن مفارقة البلد بعد ظهور الطاعون أنه لو فتح هذا الباب لارتحل عنه الأصحاء ، وبقي فيه المرضى مهملين ، لا متعهد لهم ، فيهلكون هزالا وضرا . ولذلك [ 2 ] شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأخبار بالفرار من الزحف . ولو كان ذلك للفرار من القضاء لما أذن لمن قارب البلدة في الانصراف . وقد ذكرنا حكم ذلك في كتاب التوكل وإذا عرف المعنى ظهر أن الفرار من البلاد التي هي مظان المعاصي ليس فرارا من القضاء بل من القضاء الفرار مما لا بد من الفرار منه . وكذلك مذمة المواضع التي تدعو إلى المعاصي
شرح
[ 1 ] حديث النهى عن الخروج من بلد الطاعون : تقدم في آداب السفر [ 2 ] حديث انه شبه الخروج من بلد الطاعون بالفرار من الزحف : تقدم فيه