يشبه بغض المشتوم لمن شتمه ، وإن كان شتمه إنما يحصل بتدبيره واختياره لأسبابه . وفعل الله تعالى ذلك بكل عبد من عبيده ، أعنى تسليط دواعي المعصية عليه ، يدل على أنه سبقت مشيئته بإبعاده ومقته ، فواجب على كل عبد محب لله أن يبغض من أبغضه الله ، ويمقت من مقته الله ، ويعادى من أبعده الله عن حضرته ، وإن أضطره بقهره وقدرته إلى معاداته ومخالفته ، فإنه بعيد مطرود ملعون عن الحضرة ، وإن كان بعيدا بإبعاده قهرا ، ومطرودا بطرده واضطراره . والمبعد عن درجات القرب ينبغي أن يكون مقيتا بغيضا إلى جميع المحبين موافقة للمحبوب بإظهار الغضب على من أظهر المحبوب الغضب عليه بإبعاده وبهذا يتقرر جميع ما وردت به الأخبار من البغض في الله ، والحب في الله ، والتشديد على الكفار ، والتغليظ عليهم ، والمبالغة في مقتهم ، مع الرضا بقضاء الله تعالى من حيث إنه قضاء الله عز وجل . وهذا كله يستمد من سر القدر الذي لا رخصة في إفشائه . وهو أن الشر والخير كلاهما داخلان في المشيئة والإرادة ، ولكن الشر مراد مكروه ، والخير مراد مرضي به . فمن قال ليس الشر من الله فهو جاهل ، وكذا من قال إنهما جميعا منه من غير افتراق في الرضا والكراهة فهو أيضا مقصر . وكشف الغطاء عنه غير مأذون فيه ، فالأولى السكوت والتأدب بأدب الشرع ، فقد قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « القدر سر الله فلا تفشوه » وذلك يتعلق بعلم المكاشفة . وغرضنا الآن بيان الإمكان فيما تعبد به الخلق ، من الجمع بين الرضا بقضاء الله تعالى ، ومقت المعاصي مع أنها من قضاء الله تعالى ، وقد ظهر الغرض من غير حاجة إلى كشف السر فيه وبهذا يعرف أيضا أن الدعاء بالمغفرة ، والعصمة من المعاصي ، وسائر الأسباب المعينة على الدين ، غير مناقض للرضا بقضاء الله تعالى ، فإن الله تعبد العباد بالدعاء ليستخرج الدعاء منهم صفاء الذكر ، وخشوع القلب ، ورقة التضرع ، ويكون ذلك جلاء للقلب ، ومفتاحا للكشف ، وسببا لتواتر مزايا اللطف . كما أن حمل الكوز ، وشرب الماء ، ليس مناقضا للرضا بقضاء الله تعالى في العطش . وشرب الماء طلبا لإزالة العطش مباشرة سبب رتبه
شرح
[ 1 ] حديث القدر سر الله فلا تفشوه : أبو نعيم في الحلية من حديث ابن عمر وابن عدي في الكامل من حديث عائشة وكلاهما ضعيف