تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
آخر محتاج إليه ، فهو ظالم تارك للعدل ، وخارج عن مقصود الحكمة ، وكافر نعمة الله تعالى عليه بالقرءان ، والرسول ، والعقل ، وسائر الأسباب التي بها عرف أن ما سوى زاد الراكب وبال عليه في الدنيا والآخرة . فمن فهم حكمة الله تعالى في جميع أنواع الموجودات ، قدر على القيام بوظيفة الشكر . واستقصاء ذلك يحتاج إلى مجلدات ، ثم لا تفي إلا بالقليل . وإنما أوردنا هذا القدر ليعلم علة الصدق في قوله تعالى * ( وقَلِيلٌ من عِبادِيَ الشَّكُورُ ) * « 1 » وفرح إبليس لعنه الله بقوله * ( ولا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ) * « 2 » فلا يعرف معنى هذه الآية من لم يعرف معنى هذا كله ، وأمورا أخر وراء ذلك تنقضي الأعمار دون استقصاء مباديها . فأما تفسير الآية ومعنى لفظها ، فيعرفه كل من يعرف اللغة ، وبهذا يتبين لك الفرق بين المعنى والتفسير . فإن قلت : فقد رجع حاصل هذا الكلام إلى أن لله تعالى حكمة في كل شيء ، وأنه جعل بعض أفعال العباد سببا لتمام تلك الحكمة ، وبلوغها غاية المراد منها ، وجعل بعض أفعالهم مانعا من تمام الحكمة . فكل فعل وافق مقتضى الحكمة ، حتى انساقت الحكمة إلى غايتها فهو شكر . وكل ما خالف ومنع الأسباب من أن تنساق إلى الغاية المرادة بها فهو كفران . وهذا كله مفهوم . ولكن الإشكال باق وهو أن فعل العبد المنقسم إلى ما يتمم الحكمة ، وإلى ما يرفعها ، هو أيضا من فعل الله تعالى . فأين العبد في البين حتى يكون شاكرا مرة وكافرا أخرى ؟ فاعلم أن تمام التحقيق في هذا يستمد من تيار بحر عظيم من علوم المكاشفات وقد رمزنا فيما سبق إلى تلويحات بمباديها . ونحن الآن نعبر بعبارة وجيزة عن آخرها وغايتها ، يفهمها من عرف منطق الطير ، ويجحدها من عجز عن الإيضاع في السير ، فضلا عن أن يجول في جو الملكوت جولان الطير . فنقول : إن لله عز وجل في جلاله وكبريائه صفة عنها يصدر الخلق والاختراع . وتلك الصفة أعلى وأجل من أن تلمحها عين واضع اللغة ، حتى يعبر عنها بعبارة تدل على كنه جلالها ، وخصوص حقيقتها . فلم يكن لها في العالم عبارة لعلو شأنها ، وانحطاط رتبة واضعي اللغات عن أن يمتد طرف فهمهم إلى مبادى إشرافها فانخفضت عن ذروتها أبصارهم ، كما تنخفض أبصار الخفافيش عن نور
هامش
« 1 » سبأ : 13 « 2 » الأعراف : 17
إحياء علوم الدين — صفحة 91 | الغزالي