ولا تظنن أن هذه الحسنات بإزاء تحريك اللسان بهذه الكلمات ، من غير حصول معانيها في القلب . فسبحان الله كلمة تدل على التقديس . ولا إله إلا الله ، كلمة تدل على التوحيد والحمد لله كلمة تدل على معرفة النعمة من الواحد الحق . فالحسنات بإزاء هذه المعارف التي هي من أبواب الإيمان واليقين واعلم أن تمام هذه المعرفة ينفى الشرك في الأفعال . فمن أنعم عليه ملك من الملوك بشيء فإن رأى لوزيره أو وكيله دخلا في تيسير ذلك وإيصاله إليه ، فهو إشراك به في النعمة ، فلا يرى النعمة من الملك من كل وجه . بل منه بوجه ، ومن غيره بوجه : فيتوزع فرحه عليهما ، فلا يكون موحدا في حق الملك . نعم لا يغض من توحيده في حق الملك وكمال شكره أن يرى النعمة الواصلة إليه بتوقيعه الذي كتبه بقلمه ، وبالكاغد الذي كتبه عليه فإنه لا يفرح بالقلم والكاغد ولا يشكرهما ، لأنه لا يثبت لهما دخلا من حيث هما موجودان بأنفسهما ، بل من حيث هما مسخران تحت قدرة الملك . وقد يعلم أن الوكيل الموصل والخازن أيضا مضطران من جهة الملك في الإيصال ، وأنه لو رد الأمر إليه ، ولم يكن من جهة الملك إرهاق وأمر جزم يخاف عاقبته ، لما سلم إليه شيئا . فإذا عرف ذلك كان نظره إلى الخازن الموصل ، كنظره إلى القلم والكاغد ، فلا يورث ذلك شركا في توحيده من إضافة النعمة إلى الملك . وكذلك من عرف الله تعالى وعرف أفعاله ، علم أن الشمس ، والقمر ، والنجوم مسخرات بأمره ، كالقلم مثل في يد الكاتب . وأن الحيوانات التي لها اختيار مسخرات في نفس اختيارها . فإن الله تعالى هو المسلط للدواعي عليها لتفعل شاءت أم أبت . كالخازن المضطر الذي لا يجد سبيلا إلى مخالفة الملك ، ولو خلى ونفسه لما أعطاك ذرة مما في يده .
فكل من وصل إليك نعمة من الله تعالى على يده ، فهو مضطر ، إذ سلط الله عليه الإرادة وهيج عليه الدواعي ، وألقى في نفسه أن خيره في الدنيا والآخرة أن يعطيك ما أعطاك ، وأن غرضه المقصود عنده في الحال والمآل لا يحصل إلا به . وبعد أن خلق الله له هذا الاعتقاد ، لا يجد سبيلا إلى تركه . فهو إذا إنما يعطيك لغرض نفسه لا لغرضك . ولو لم يكن غرضه في العطاء لما أعطاك . ولو لم يعلم أن منفعته في منفعتك لما نفعك . فهو إذا إنما يطلب نفع نفسه بنفعك ، فليس منعما عليك . بل أتخذك وسيلة إلى نعمة أخرى وهو يرجوها .
وإنما الذي أنعم عليك هو الذي سخره لك ، وألقى في قلبه من الاعتقادات والإرادات
إحياء علوم الدين — صفحة 69
مساهمون: الغزالي
ص٦٩