تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
كتاب الخوف والرّجاء وهو الكتاب الثالث من ربع المنجيات من كتب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المرجو لطفه وثوابه ، المخوف مكره وعقابه ، الذي عمر قلوب أوليائه بروح رجائه حتى ساقهم بلطائف آلائه إلى النزول بفنائه ، والعدول عن دار بلائه التي هي مستقر أعدائه ، وضرب بسياط التخويف وزجره العنيف وجوه المعرضين عن حضرته إلى دار ثوابه وكرامته وصدهم عن التعرض لأئمته ، والتهدف لسخطه ونقمته ، قودا لأصناف الخلق بسلاسل القهر . والعنف ، وأزمة الرفق واللطف إلى جنته . والصلاة على محمد سيد أنبيائه وخير خليقته ، وعلى آله وأصحابه وعترته . أما بعد : فإن الرجاء والخوف جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود ، ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كئود ، فلا يقود إلى قرب الرحمن وروح الجنان ، مع كونه بعيد الأرجاء ، ثقيل الأعباء ، محفوفا بمكاره القلوب ومشاق الجوارح والأعضاء ، إلا أزمة الرجاء ولا يصد عن نار الجحيم والعذاب الأليم ، مع كونه محفوفا بلطائف الشهوات وعجائب اللذات إلا سياط التخويف وسطوات التعنيف . فلا بد إذا من بيان حقيقتهما وفضيلتهما ، وسبيل التوصل إلى الجمع بينهما مع تضادهما وتعاندهما ، ونحن نجمع ذكرهما في كتاب واحد يشتمل على شطرين : الشطر الأول في الرجاء ، والشطر الثاني في الخوف : أما الشطر الأول ، فيشتمل على بيان حقيقة الرجاء ، وبيان فضيلة الرجاء ، وبيان دواء الرجاء ، والطريق الذي يجتلب به الرجاء . بيان حقيقة الرجاء اعلم أن الرجاء من جملة مقامات السالكين ، وأحوال الطالبين . وإنما يسمى الوصف مقاما إذا ثبت وأقام ، وإنما يسمى حالا إذا كان عارضا سريع الزوال . وكما أن الصفرة تنقسم إلى ثابتة كصفرة الذهب وإلى سريعة الزوال كصفرة الوجل ، وإلى ما هو بينهما كصفرة
إحياء علوم الدين — صفحة 172 | الغزالي