تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
فقيل له في النوم ائت فلانا الإسكاف فسله أن يدعو لك . فأتاه فسأله عن عمله ، فأخبره أنه يصوم النهار ، ويكتسب فيتصدق ببعضه ، ويطعم عياله ببعضه . فرجع وهو يقول : إن هذا لحسن ، ولكن ليس هذا كالتفرغ لطاعة الله ، فأتى في النوم ثانيا فقيل له . ائت فلانا الإسكاف فقل له ما هذا الصفار الذي بوجهك . فأتاه فسأله فقال له . ما رأيت أحدا من الناس إلا وقع لي أنه سينجو وأهلك أنا . فقال العابد بهذه . والذي يدل على فضيلة هذه الخصلة قوله تعالى * ( يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ) * « 1 » أي أنهم يؤتون الطاعات وهم على وجل عظيم من قبولها . وقال تعالى * ( إِنَّ الَّذِينَ هُمْ من خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ) * « 2 » وقال تعالى * ( إِنَّا كُنَّا قَبْلُ في أَهْلِنا مُشْفِقِينَ ) * « 3 » وقد وصف الله تعالى الملائكة عليهم السلام ، مع تقدسهم عن الذنوب ، ومواظبتهم على العبادات ، على الدؤب بالإشفاق فقال تعالى مخبرا عنهم * ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ) * « 4 » * ( وهُمْ من خَشْيَتِه ِ مُشْفِقُونَ ) * « 5 » فمتى زال الإشفاق والحذر مما سبق به القضاء في الأزل ، وينكشف عند خاتمة الأجل ، غلب الأمن من مكر الله وذلك يوجب الكبر ، وهو سبب الهلاك فالكبر دليل الأمن ، والأمن مهلك . والتواضع دليل الخوف . وهو مسعد . فإذا ما يفسده العابد بإضمار الكبر واحتقار الخلق ، والنظر إليهم بعين الاستصغار ، أكثر مما يصلحه بظاهر الأعمال . فهذه معارف بها يزال داء الكبر عن القلب لا غير . إلا أن النفس بعد هذه المعرفة قد تضمر التواضع وتدعى البراءة من الكبر وهي كاذبة . فإذا وقعت الواقعة عادت إلى طبعها ، ونسيت وعدها فعن هذا الا ينبغي أن يكتفى في المداواة بمجرد المعرفة ، بل ينبغي أن تكمل بالعمل ، وتجرب بأفعال المتواضعين في مواقع هيجان الكبر من النفس . وبيانه أن يمتحن النفس بخمس امتحانات هي أدلة على استخراج ما في الباطن ، وإن كانت الامتحانات كثيرة الامتحان الأول : أن ينظر في مسألة مع واحد من أقرانه ، فإن ظهر شيء من الحق على لسان صاحبه ، فثقل عليه قبوله ، والانقياد له ، والاعتراف به ، والشكر له على تنبيهه وتعريفه وإخراجه الحق ، فذلك يدل على أن فيه كبرا دفينا ، فليتق الله فيه ويشتغل بعلاجه
هامش
« 1 » المؤمنون : 60 « 2 » المؤمنون : 57 « 3 » الطور : 26 « 4 » الأنبياء : 20 « 5 » الأنبياء : 28