من ربع المهلكات . فإن قلت : فما قولك في تائبين ، أحدهما نسي الذنب ولم يشتغل بالتفكر فيه ، والآخر جعله نصب عينه ولا يزال يتفكر فيه ويحترق ندما عليه ، فأيهما أفضل ؟
فاعلم أن هذا أيضا قد اختلفوا فيه . فقال بعضهم : حقيقة التوبة أن تنصب ذنبك بين عينيك وقال آخر : حقيقة التوبة أن تنسى ذنبك . وكل واحد من المذهبين عندنا حق ، ولكن بالإضافة إلى حالين . وكلام المتصوفة أبدا يكون قاصرا ، فإن عادة كل واحد منهم أن يخبر عن حال نفسه فقط ، ولا يهمه حال غيره ، فتختلف الأجوبة لاختلاف الأحوال وهذا نقصان بالإضافة إلى الهمة والإرادة والجد ، حيث يكون صاحبه مقصور النظر على حال نفسه ، لا يهمه أمر غيره . إذ طريقه إلى الله نفسه ، ومنازله أحواله . وقد يكون طريق العبد إلى الله العلم . فالطرق إلى الله تعالى كثيرة وإن كانت مختلفة في القرب والبعد ، والله أعلم بمن هو أهدى سبيلا ، مع الاشتراك في أصل الهداية . فأقول : تصوّر الذنب وذكره والتفجع عليه ، كمال في حق المبتدئ . لأنه إذا نسيه لم يكثر احتراقه ، فلا تقوى إرادته وانبعاثه لسلوك الطريق ولأن ذلك يستخرج منه الحزن والخوف الوازع عن الرجوع إلى مثله . فهو بالإضافة إلى سالك الطريق نقصان . فإنه شغل مانع عن سلوك الطريق . بل سالك الطريق ينبغي أن لا يعرج على غير السلوك . فإن ظهر له مبادى الوصول ، وانكشفت له أنوار المعرفة ولوامع الغيب ، استغرقه ذلك ، ولم يبق فيه متسع للالتفات إلى ما سبق من أحواله ، وهو الكمال ، بل لو عاق المسافر عن الطريق إلى بلد من البلاد نهر حاجز ، طال تعب المسافر في عبوره مدة ، من حيث إنه كان قد خرب جسره من قبل فلو جلس على شاطئ النهر بعد عبوره ، يبكى متأسفا على تخريبه الجسر ، كان هذا مانعا آخر اشتغل به بعد الفراغ من ذلك المانع . نعم إن لم يكن الوقت وقت الرحيل ، بأن كان ليلا فتعذر السلوك ، أو كان على طريق أنهار وهو يخاف على نفسه أن يمر بها ، فليطل بالليل بكاؤه وحزنه على تخريب الجسر ، ليتأكد بطول الحزن عزمه على أن لا يعود إلى مثله . فإن حصل له من التنبيه ما وثق بنفسه أنه لا يعود إلى مثله ، فسلوك الطريق أولى به من الاشتغال بذكر تخريب الجسر والبكاء عليه . وهذا لا يعرفه إلا من عرف الطريق ، والمقصد ، والعائق ، وطريق السلوك وقد أشرنا إلى تلويحات منه في كتاب العلم ، وفي ربع المهلكات . بل نقول شرط دوام التوبة أن يكون كثير الفكر في النعيم في الآخرة لتزيد رغبته . ولكن إن كان شابا ، فلا ينبغي أن يطيل فكره في كل ماله نظير في الدنيا كالحور والقصور . فإن ذلك الفكر ربما يحرك رغبته ، فيطلب العاجلة ولا يرضى بالآجلة . بل ينبغي أن
إحياء علوم الدين — صفحة 210
مساهمون: الغزالي
ص٢١٠