فكأن الإنسان مهما رأى نفسه بهذه العين ، وهو الاستعظام ، كبر وانتفخ وتعزز .
فالكبر عبارة عن الحالة الحاصلة في النفس من هذه الاعتقادات ، وتسمى أيضا عزة وتعظما ولذلك قال ابن عباس في قوله تعالى * ( إِنْ في صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيه ِ ) * « 1 » قال عظمة لم يبلغوها . ففسر الكبر بتلك العظمة . ثم هذه العزة تقتضي أعمالا في الظاهر والباطن هي ثمرات . ويسمى ذلك تكبرا . فإنه مهما عظم عنده قدره بالإضافة إلى غيره حقر من دونه ، وازدراه ، وأقصاه عن نفسه ، وأبعده ، وترفع عن مجالسته ومؤاكلته ورأى أن حقه أن يقوم ماثلا بين يديه إن اشتد كبره . فإن كان أشد من ذلك استنكف عن استخدامه ، ولم يجعله أهلا للقيام بين يديه ، ولا بخدمة عتبته . فإن كان دون ذلك فيأنف من مساواته ، وتقدم عليه في مضايق الطرق ، وارتفع عليه في المحافل ، وانتظر أن يبدأه بالسلام ، واستبعد تقصيره في قضاء حوائجه وتعجب منه . وإن حاج أو ناظر أنف أن يرد عليه ، وإن وعظ استنكف من القبول . وإن وعظ عنف في النصح ، وإن رد عليه شيء من قوله غضب ، وإن علَّم لم يرفق بالمتعلمين ، واستذلهم ، وانتهرهم ، وامتن عليهم ، واستخدمهم وينظر إلى العامة كأنه ينظر إلى الحمير ، استجهالا لهم واستحقارا . والأعمال الصادرة عن خلق الكبر كثيرة ، وهي أكثر من أن تحصى ، فلا حاجة إلى تعدادها فإنها مشهورة فهذا هو الكبر ، وآفته عظيمة ، وغائلته هائلة ، وفيه يهلك الخواصّ من الخلق ، وقلما ينفك عنه العباد ، والزهاد ، والعلماء ، فضلا عن عوام الخلق . وكيف لا تعظم آفته وقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « لا يدخل الجنّة من في قلبه مثقال ذرّة من كبر » وإنما صار حجابا دون الجنة لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها ، وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة والكبر وعزة النفس يغلق تلك الأبواب كلها ، لأنه لا يقدر على أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه وفيه شيء من العز . ولا يقدر على التواضع وهو رأس أخلاق المتقين وفيه العز . ولا يقدر على ترك الحقد وفيه العز . ولا يقدر أن يدوم على الصدق وفيه العز ولا يقدر على ترك الغضب وفيه العز . ولا يقدر على كظم الغيظ وفيه العز . ولا يقدر على
شرح
[ 1 ] حديث لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر : تقدم فيه
هامش
« 1 » غافر : 56