قبل طلوع الفجر . قال صدقت . وجاء رجل آخر فقال : رأيت كأني أصب الزيت في الزيتون . فقال إن كان تحتك جارية اشتريتها ففتش عن حالها ، فإنها أمك سبيت في صغرك ، لأن الزيتون أصل الزيت ، فهو يردّ إلى الأصل . فنظر فإذا جاريته كانت أمه ، وقد سبيت في صغره . وقال له آخر : رأيت كأني أقلد الدر في أعناق الخنازير .
فقال إنك تعلم الحكمة غير أهلها ، فكان كما قال والتعبير من أوله إلى آخره أمثال تعرفك طريق ضرب الأمثال . وإنما نعني بالمثل أداء المعنى في صورة إن نظر إلى معناه وجد صادقا . وإن نظر إلى صورته وجده كاذبا . فالمؤذن إن نظر إلى صورة الخاتم والختم به على الفروج رآه كاذبا ، فإنه لم يختم به قط . وإن نظر إلى معناه وجد صادقا ، إذ صدر منه روح الختم ، ومعناه ، وهو المنع الذي يراد الختم له . وليس للأنبياء أن يتكلموا مع الخلق إلا بضرب الأمثال ، لأنهم كلفوا أن يكلموا الناس على قدر عقولهم ، وقدر عقولهم أنهم في النوم ، والنائم لا يكشف له عن شيء إلا بمثل ، فإذا ماتوا انتبهوا وعرفوا أن المثل صادق . ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن » وهو من المثال الذي لا يعقله إلا العالمون . فأما الجاهل فلا يجاوز قدره ظاهر المثال ، لجهله بالتفسير الذي يسمى تأويلا ، كما يسمى تفسير ما يرى من الأمثلة في النوم تعبيرا ، فيثبت لله تعالى يدا وأصبعا ، تعالى الله عن قوله علوّا كبيرا وكذلك في قوله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « إنّ الله خلق آدم على صورته » فإنه لا يفهم من الصورة إلا اللون والشكل والهيئة ، فيثبت لله تعالى مثل ذلك ، تعالى الله عن قوله علوّا كبيرا ومن هاهنا زل من زل في صفات إلهية ، حتى في الكلام ، وجعلوه صوتا وحرفا إلى غير ذلك من الصفات ، والقول فيه يطول وكذلك قد يرد في أمر الآخرة ضرب أمثلة يكذب بها الملحد ، بجمود نظره على ظاهر المثال وتناقضه عنده كقوله صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] « يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح » فيثور الملحد الأحمق ويكذب ، ويستدل به على كذب الأنبياء
شرح
[ 1 ] حديث قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن : تقدم
[ 2 ] حديث ان الله خلق آدم على صورته : تقدم
[ 3 ] حديث يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح : متفق عليه من حديث أبي سعيد