تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
فصار حفظ الدنيا أيضا مقصودا تابعا للدين ، لأنه وسيلة إليه . والمتعلق من الدنيا بالآخرة شيئان : النفوس والأموال . فكل ما يسد باب معرفة الله تعالى فهو أكبر الكبائر ، ويليه ما يسد باب حياة النفوس ، ويليه ما يسد باب المعايش التي بها حياة النفوس ، فهذه ثلاث مراتب فحفظ المعرفة على القلوب ، والحياة على الأبدان ، والأموال على الأشخاص ، ضروري في مقصود الشرائع كلها . وهذه ثلاثة أمور لا يتصور أن يختلف فيها الملل . فلا يجوز أن الله تعالى يبعث نبيا يريد ببعثه إصلاح الخلق في دينهم ودنياهم ، ثم يأمرهم بما يمنعهم عن معرفته ومعرفة رسله ، أو يأمرهم بإهلاك النفوس وإهلاك الأموال . فحصل من هذا أن الكبائر على ثلاث مراتب الأولى : ما يمنع من معرفة الله تعالى ومعرفة رسله ، وهو الكفر . فلا كبيرة فوق الكفر . إذ الحجاب بين الله وبين العبد هو الجهل . والوسيلة المقربة له إليه هو العلم والمعرفة وقربه بقدر معرفته ، وبعده بقدر جهله . ويتلو الجهل الذي يسمى كفرا ، الأمن من مكر الله ، والقنوط من رحمته . فإن هذا أيضا عين الجهل . فمن عرف الله لم يتصور أن يكون آمنا ، ولا أن يكون آيسا . ويتلو هذه الرتبة البدع كلها ، المتعلقة بذات الله ، وصفاته ، وأفعاله . وبعضها أشد من بعض . وتفاوتها على حسب تفاوت الجهل بها ، وعلى حسب تعلقها بذات الله سبحانه ، وبأفعاله ، وشرائعه ، وبأوامره ، ونواهيه ومراتب ذلك لا تنحصر وهي تنقسم إلى ما يعلم أنها داخلة تحت ذكر الكبائر المذكورة في القرءان وإلى ما يعلم أنه لا يدخل ، وإلى ما يشك فيه . وطلب دفع الشك في القسم المتوسط طمع في غير مطمع المرتبة الثانية : النفوس . إذ ببقائها وحفظها تدوم الحياة ، وتحصل المعرفة باللَّه . فقتل النفس لا محالة من الكبائر ، وإن كان دون الكفر . لأن ذلك يصدم عين المقصود ، وهذا يصدم وسيلة المقصود . إذ حياة الدنيا لا تراد إلا للآخرة ، والتوصل إليها بمعرفة الله تعالى ويتلو هذه الكبيرة قطع الأطراف ، وكل ما يفضي إلى الهلاك ، حتى الضرب ، وبعضها أكبر من بعض . ويقع في هذه الرتبة تحريم الزنا واللواط ، لأنه لو اجتمع الناس على الاكتفاء بالذكور في قضاء الشهوات انقطع النسل ، ودفع الموجود قريب من قطع الوجود . وأما الزنا فإنه لا يفوت أصل الوجود ، ولكن يشوش الأنساب . ويبطل التوارث والتناصر
إحياء علوم الدين — صفحة 174 | الغزالي