تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
ولا يبعد تنزيلها على شيء من هذه الاحتمالات . نعم من المهمات أن تعلم معنى قول الله تعالى * ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْه ُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ) * « 1 » وقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلم « الصّلوات كفّارات لما بينهنّ إلَّا الكبائر » فإن هذا إثبات حكم الكبائر والحق في ذلك أن الذنوب منقسمة في نظر الشرع إلى ما يعلم استعظامه إياها ، وإلى ما يعلم أنها معدودة في الصغائر ، وإلى ما يشك فيه فلا يدرى حكمه : فالطمع في معرفة حد حاصر ، أو عدد جامع مانع ، طلب لما لا يمكن . فإن ذلك لا يمكن إلا بالسماع من رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، بأن يقول إني أردت بالكبائر عشرا ، أو خمسا ، ويفصلها ، فإن لم يرد هذا ، بل ورد في بعض الألفاظ [ 1 ] ثلاث من الكبائر ، وفي بعضها [ 2 ] سبع من الكبائر . ثم ورد أن السبتين بالسبة الواحدة من الكبائر ، وهو خارج عن السبع والثلاث ، علم أنه لم يقصد به العدد بما يحصر . فكيف يطمع في عدد ما لم يعده الشرع ! وربما قصد الشرع إبهامه ليكون العباد منه على وجل ، كما أبهم ليلة القدر ليعظم جد الناس في طلبها . نعم لنا سبيل كلى يمكننا أن نعرف به أجناس الكبائر وأنواعها بالتحقيق . وأما أعيانها فنعرفها بالظن والتقريب ونعرف أيضا أكبر الكبائر . فأما أصغر الصغائر فلا سبيل إلى معرفته وبيانه أنا نعلم بشواهد الشرع وأنوار البصائر جميعا ، أن مقصود الشرائع كلها سياق الخلق إلى جوار الله تعالى ، وسعادة لقائه . وأنه لا وصول لهم إلى ذلك إلا بمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته ، وكتبه ورسله ، وإليه الإشارة بقوله تعالى * ( وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) * « 2 » أي ليكونوا عبيدا لي . ولا يكون العبد عبدا ما لم يعرف ربه بالربوبية ، ونفسه بالعبودية . ولا بد أن يعرف نفسه وربه . فهذا هو المقصود الأقصى ببعثة الأنبياء . ولكن لا يتم هذا إلا في الحياة الدنيا ، وهو المعنىّ بقوله عليه السّلام [ 3 ] « الدّنيا مزرعة الآخرة »
شرح
[ 1 ] حديث ثلاث من الكبائر : الشيخان من حديث أبي بكرة ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا - الحديث : وقد تقدم [ 2 ] حديث سبع من الكبائر : طب في الأوسط من حديث أبي سعيد الكبائر سبع وقد تقدم وله في الكبير من حديث عبد الله بن عمر من صلَّى الصلوات الخمس واجتنب الكبائر - الحديث : ثم عدهن سبعا وتقدم عن الصحيحين حديث أبي هريرة اجتنبوا السبع الموبقات [ 3 ] حديث الدنيا مزرعة الآخرة : لم أجده بهذا اللفظ مرفوعا وروى العقيلي في الضعفاء وأبو بكر بن لان في مكارم الأخلاق من حديث طارق بن أشيم نعمت الدار الدنيا لمن تزود منها لآخرته - الحديث : واسناده ضعيف
هامش
« 1 » النساء : 31 « 2 » الذاريات : 56