ما لم يخلق فيها صفة تسمى قدرة ، وما لم يخلق فيها حياة ، وما لم يخلق إرادة مجزومة .
ولا يخلق الإرادة المجزومة ما لم يخلق شهوة وميلا في النفس ولا ينبعث هذا الميل انبعاثا تاما ما لم يخلق علما بأنه موافق للنفس ، إما في الحال أو في المآل . ولا يخلق العلم أيضا إلا بأسباب أخر ترجع إلى حركة وإرادة وعلم . فالعلم والميل الطبيعي أبدا يستتبع الإرادة الجازمة ، والقدرة والإرادة أبدا تستردف الحركة ، وهكذا الترتيب في كل فعل . والكل من اختراع الله تعالى . ولكن بعض مخلوقاته شرط لبعض . فلذلك يجب تقدم البعض وتأخر البعض ، كما لا تخلق الإرادة إلا بعد العلم ، ولا يخلق العلم إلا بعد الحياة ، ولا تخلق الحياة إلا بعد الجسم ، فيكون خلق الجسم شرطا لحدوث الحياة ، لا أن الحياة تتولد من الجسم . ويكون خلق الحياة شرطا لخلق العلم ، لا أن العلم يتولد من الحياة . ولكن لا يستعدّ المحل لقبول العلم إلا إذا كان حيا ، ويكون خلق العلم شرطا لجزم الإرادة ، لا أن العلم يولد الإرادة . ولكن لا يقبل الإرادة إلا جسم حي عالم . ولا يدخل في الوجود إلا ممكن ، وللإمكان ترتيب لا يقبل التغيير ، لأن تغييره محال . فمهما وجد شرط الوصف استعد المحل به لقبول الوصف ، فحصل ذلك الوصف من الجود الإلهي والقدرة الأزلية عند حصول الاستعداد . ولما كان للاستعداد بسبب الشروط ترتيب ، كان لحصول الحوادث بفعل الله تعالى ترتيب . والعبد مجرى هذه الحوادث المرتبة ، وهي مرتبة في قضاء الله تعالى الذي هو واحد كلمح البصر ترتيبا كليا لا يتغير . وظهورها بالتفصيل مقدر بقدر لا يتعداها . وعنه العبارة بقوله تعالى * ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناه ُ بِقَدَرٍ ) * « 1 » وعن القضاء الكلى الأزلي العبارة بقوله تعالى * ( وما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) * « 2 » وأما العباد فإنهم مسخرون تحت مجاري القضاء والقدر .
ومن جملة القدر خلق حركة في يد الكاتب ، بعد خلق صفة مخصوصة في يده تسمى القدرة وبعد خلق ميل قوى جازم في نفسه يسمى القصد ، وبعد علم بما إليه ميله يسمى الإدراك والمعرفة فإذا ظهرت من باطن الملكوت هذه الأمور الأربعة على جسم عبد مسخر تحت التقدير ، سبق أهل عالم الملك والشهادة المحجوبون عن عالم الغيب والملكوت وقالوا يا أيها الرجل ، قد تحركت ، ورميت ، وكتبت . ونودي من وراء حجاب الغيب وسرادقات الملكوت
هامش
« 1 » القمر : 49
« 2 » لقمر : 50