ومن ذلك أن يذكر عيب إنسان ، فلا يتنبه له بعض الحاضرين ، فيقول سبحان الله ما أعجب هذا ، حتى يصغى إليه ، ويعلم ما يقول . فيذكر الله تعالى ، ويستعمل اسمه آلة له في تحقيق خبثه ، وهو يمتن على الله عز وجل بذكره ، جهلا منه وغرورا . وكذلك يقول ، ساءني ما جرى على صديقنا من الاستخفاف به ، نسأل الله أن يروح نفسه . فيكون كاذبا في دعوى الاغتمام وفي إظهار الدعاء له . بل لو قصد الدعاء لأخفاه في خلوته عقيب صلاته .
ولو كان يغتم به لاغتم أيضا بإظهار ما يكرهه . وكذلك يقول ، ذلك المسكين قد بلى بآفة عظيمة ، تاب الله علينا وعليه . فهو في كل ذلك يظهر الدعاء ، والله مطلع على خبث ضميره ، وخفي قصده . وهو لجهله لا يدرى أنه قد تعرض لمقت أعظم مما تعرض له الجهال إذا جاهروا
ومن ذلك الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب .
فإنه إنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة فيندفع فيها ، وكأنه يستخرج الغيبة منه بهذا الطريق . فيقول ، عجب ، ما علمت أنه كذلك ، ما عرفته إلى الآن إلا بالخير ، وكنت أحسب فيه غير هذا ، عافانا الله من بلائه . فإن كل ذلك تصديق للمغتاب ، والتصديق بالغيبة غيبة ، بل الساكت شريك المغتاب ، قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « المستمع أحد المغتابين » وقد روى عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، [ 2 ] أن أحدهما قال لصاحبه : إن فلانا لنئوم ، ثم إنهما طلبا أدما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليأكلا به الخبز . فقال صلى الله عليه وسلم « قد ائتدمتما » فقالا ما نعلمه . قال « بلى إنّكما أكلتما من لحم أخيكما » فانظر كيف جمعهما ، وكان القائل أحدهما ، والآخر مستمعا . وقال للرجلين اللذين قال أحدهما ، أقعص الرجل كما يقعص الكلب [ 3 ] « انهشا من هذه الجيفة » فجمع بينهما . فالمستمع لا يخرج من إثم الغيبة ، إلا أن ينكر بلسانه ، أو بقلبه إن خاف ، وإن قدر على القيام ، أو قطع الكلام بكلام آخر ، فلم يفعل
شرح
[ 1 ] حديث المستمع أحدا المغتابين : الطبراني من حديث ابن عمر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة وعن الاستماع إلى الغيبة وهو ضعيف
[ 2 ] حديث ان أبا بكر وعمر قال أحدهما لصاحبه ان فلانا لنئوم ثم طلبا أدما من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قد ائتدمتما فقالا ما نعلم فقال بلى ما أكلتما من لحم صاحبكما : أبو العباس الدغولى في الآداب من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلا نحوه
[ 3 ] حديث انهشا من هذه الميتة قاله للرجلين اللذين قال أحدهما أقعص كما يقعص الكلب : تقدم قبل هذا باثني عشر حديثا