تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
الثامن : السخرية والاستهزاء ، استحقارا له ، فإن ذلك قد يجرى في الحضور ويجرى أيضا في الغيبة . ومنشؤه التكبر ، واستصغار المستهزأ به وأما الأسباب الثلاثة التي هي في الخاصة ، فهي أغمضها وأدقها ، لأنها شرور خبأها الشيطان في معرض الخيرات ، وفيها خير ، ولكن شاب الشيطان بها الشر الأول : أن تنبعث من الدين داعية التعجب في إنكار المنكر والخطأ في الدين ، فيقول ما أعجب ما رأيت من فلان ، فإنه قد يكون به صادقا ، ويكون تعجبه من المنكر ، ولكن كان حقه أن يتعجب ولا يذكر اسمه ، فيسهل الشيطان عليه ذكر اسمه في إظهار تعجبه ، فصار به مغتابا وآثما من حيث لا يدرى . ومن ذلك قول الرجل ، تعجبت من فلان كيف يحب جاريته وهي قبيحة ، وكيف يجلس بين يدي فلان وهو جاهل الثاني : الرحمة ، وهو أن يغتم بسبب ما يبتلى به ، فيقول مسكين فلان قد غمني أمره وما ابتلى به ، فيكون صادقا في دعوى الاغتمام ، ويلهيه الغم عن الحذر من ذكر اسمه ، فيذكره فيصير به مغتابا ، فيكون غمه ورحمته خيرا ، وكذا تعجبه ، ولكن ساقه الشيطان إلى شر من حيث لا يدرى ، والترحم والاغتمام ممكن دون ذكر اسمه ، فيهيجه الشيطان على ذكر اسمه ليبطل به ثواب اغتمامه وترحمه الثالث : الغضب لله تعالى ، فإنه قد يغضب على منكر قارفه إنسان إذا رآه أو سمعه ، فيظهر غضبه ، ويذكر اسمه . وكان الواجب أن يظهر غضبه عليه ، بالأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، ولا يظهره على غيره . أو يستر اسمه ، ولا يذكره بالسوء فهذه الثلاثة مما يغمض دركها على العلماء فضلا عن العوام . فإنهم يظنون أن التعجب والرحمة ، والغضب إذا كان لله تعالى ، كان عذرا في ذكر الاسم ، وهو خطأ . بل المرخص في الغيبة حاجات مخصوصة ، لا مندوحة فيها عن ذكر الاسم ، كما سيأتي ذكره روى عن عامر بن واثلة ، [ 1 ] أن رجلا مر على قوم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليهم ، فردوا عليه السلام . فلما جاوزهم ، قال رجل منهم ، إني لأبغض هذا في الله تعالى
شرح
[ 1 ] حديث عامر بن واثلة أن رجلا مر على قوم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليهم فردوا عليه السلام فلما جاوزهم قال رجل منهم انى لأبغض هذا في الله - الحديث : بطوله وفيه فقال قم فلعله خير منك : أحمد بإسناد صحيح
إحياء علوم الدين — صفحة 58 | الغزالي