والدليل القاطع فيه ، ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال [ 1 ] « إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النّار » فقيل يا رسول الله ، هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟ قال « لأنّه أراد قتل صاحبه » وهذا نص في أنه صار بمجرد الإرادة من أهل النار ، مع أنه قتل مظلوما . فكيف يظن أن الله لا يؤاخذ بالنية والهم ! بل كل هم دخل تحت اختيار العبد فهو مؤاخذ به ، إلا أن يكفره بحسنة ، ونقض العزم بالندم حسنة . فلذلك كتبت له حسنة فأما فوت المراد بعائق ، فليس بحسنة
وأما الخواطر وحديث النفس وهيجان الرغبة
، فكل ذلك لا يدخل تحت اختيار .
فالمؤاخذة به تكليف ما لا يطاق . ولذلك لما نزل قوله تعالى * ( وإِنْ تُبْدُوا ما في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوه ُ يُحاسِبْكُمْ به الله ) * « 1 » جاء ناس من الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا [ 2 ] ، كلفنا ما لا نطيق ، إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه ، ثم يحاسب بذلك . فقال صلى الله عليه وسلم « لعلَّكم تقولون كما قالت اليهود سمعنا وعصينا قولوا سمعنا وأطعنا » فقالوا سمعنا وأطعنا . فأنزل الله الفرج بعد سنة بقوله * ( لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) * « 2 » فظهر به أن كل ما لا يدخل تحت الوسع من أعمال القلب ، هو الذي لا يؤاخذ به . فهذا هو كشف الغطاء عن هذا الالتباس . وكل من يظن أن كل ما يجرى على القلب يسمى حديث النفس ، ولم يفرق بين هذه الأقسام الثلاثة ، فلا بد وأن يغلط .
وكيف لا يؤاخذ بأعمال القلب من الكبر والعجب ، والرياء والنفاق والحسد ، وجملة الخبائث من أعمال القلب ! بل السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا . أي ما يدخل تحت الاختيار . فلو وقع البصر بغير اختيار على غير ذي محرم ، لم يؤاخذ به . فإن أتبعها نظرة ثانية ، كان مؤاخذا به ، لأنه مختار . فكذا خواطر القلب تجرى هذا المجرى : بل القلب
شرح
[ 1 ] حديث إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار - الحديث : متفق عليه من حديث أبي بكرة
[ 2 ] حديث لما نزل قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله جاء ناس من الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا كلفنا ما لا نطيق - الحديث : م من حديث أبي هريرة وابن عباس نحوه
هامش
« 1 » البقرة : 284
« 2 » البقرة : 286