وقالت فرقة : لا تسقط الوسوسة ولا أثرها أيضا
، ولكن تسقط غلبتها للقلب ، فكأنه يوسوس من بعد وعلى ضعف .
وقالت فرقة : ينعدم عند الذكر في لحظة ، وينعدم الذكر في لحظة ، ويتعاقبان في أزمنة متقاربة ، يظن لتقاربها أنها متساوقة . وهي كالكرة التي عليها نقط متفرقة ، فإنك إذا أدرتها بسرعة ، رأيت النقط دوائر ، بسرعة تواصلها بالحركة . واستدل هؤلاء بأن الخنس قد ورد ، ونحن نشاهد الوسوسة مع الذكر ، ولا وجه له إلا هذا
وقالت فرقة : الوسوسة والذكر يتساوقان في الدوام على القلب
تساوقا لا ينقطع . وكما أن الإنسان قد يرى بعينيه شيئين في حالة واحدة ، فكذلك القلب قد يكون مجرى لشيئين فقد قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « ما من عبد إلَّا وله أربعة أعين عينان في رأسه يبصر بهما أمر دنياه وعينان في قلبه يبصر بهما أمر دينه » وإلى هذا ذهب المحاسبي .
والصحيح عندنا أن كل هذه المذاهب صحيحة
، ولكن كلها قاصرة عن الإحاطة بأصناف الوسواس . وإنما نظر كل واحد منهم . إلى صنف واحد من الوسواس فأخبر عنه ،
والوسواس أصناف
الأول : أن يكون من جهة التلبيس بالحق .
فإن الشيطان قد يلبس بالحق فيقول للإنسان تترك التنعم باللذات ، فإن العمر طويل ، والصبر عن الشهوات طول العمر ألمه عظيم .
فعند هذا إذا ذكر العبد عظيم حق الله تعالى ، وعظيم ثوابه وعقابه ، وقال لنفسه الصبر عن الشهوات شديد ، ولكن الصبر على النار أشد منه ، ولا بد من أحدهما . فإذا ذكر العبد وعد الله تعالى ووعيده ، وجدد إيمانه ويقينه ، خنس الشيطان وهرب . إذ لا يستطيع أن يقول له النار أيسر من الصبر على المعاصي . ولا يمكنه أن يقول المعصية لا تفضي إلى النار فإن إيمانه بكتاب الله عز وجل يدفعه عن ذلك ، فينقطع وسواسه . وكذلك يوسوس إليه بالعجب بعمله ، فيقول أي عبد يعرف الله كما تعرفه ؟ ويعبده كما تعبده ؟ فما أعظم مكانك عند الله تعالى ! فيتذكر العبد حينئذ أن معرفته وقلبه وأعضاءه التي بها عمله وعلمه ،
شرح
[ 1 ] حديث ما من عبد إلا وله أربعة أعين عينان في رأسه يبصر بهما أمر دنياه وعينان في قلبه يبصر بهما أمر دينه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث معاذ بلفظ الآخرة مكان دينه وفيه الحسين ابن أحمد بن محمد الهروي السماخي الحافظ كذبه ك والآفة منه