كتاب آفات اللَّسان
وهو الكتاب الرابع من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أحسن خلق الإنسان وعدّله ، وألهمه نور الإيمان فزينه به وجمله ، وعلمه البيان فقدمه به وفضله ، وأفاض على قلبه خزائن العلوم فأكمله ، ثم أرسل عليه سترا من رحمته وأسبله ، ثم أمده بلسان يترجم به عما حواه القلب وعقله ، ويكشف عنه ستره الذي أرسله ، وأطلق بالحق مقولة ، وأفصح بالشكر عما أولاه وخوله ، من علم حصله ، ونطق سهله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله الذي أكرمه وبجله ، ونبيه الذي أرسله بكتاب أنزله ، وأسمى فضله ، وبين سبله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن قبله ، ما كبر الله عبد وهلله أما بعد : فإن اللسان من نعم الله العظيمة ، ولطائف صنعه الغريبة . فإنه صغير جرمه ، عظيم طاعته وجرمه . إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان ، وهما غاية الطاعة والعصيان . ثم إنه ما من موجود أو معدوم ، خالق أو مخلوق ، متخيل أو معلوم ، مظنون أو موهوم ، إلا واللسان يتناوله ، ويتعرض له بإثبات أو نفى . فإن كل ما يتناوله العلم ، يعرب عنه اللسان ، إما بحق أو باطل . ولا شيء إلا والعلم متناول له . وهذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء ، فإن العين لا تصل إلى غير الألوان والصور ، والآذان لا تصل إلى غير الأصوات واليد لا تصل إلى غير الأجسام ، وكذا سائر الأعضاء . واللسان رحب الميدان ، ليس له مرد ، ولا لمجاله منتهى وحد ، له في الخير مجال رحب ، وله في الشر ذيل سحب . فمن أطلق عذبة اللسان ، وأهمله مرخى العنان ، سلك به الشيطان في كل ميدان ، وساقه إلى شفا جرف هار ، إلى أن يضطره إلى البوار . ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع ، فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة
إحياء علوم الدين — صفحة 198
مساهمون: الغزالي
ص١٩٨