وقال العلاء بن زياد : لا تتبع بصرك رداء المرأة فإن النظر يزرع في القلب شهوة وقلما يخلو الإنسان في ترداده عن وقوع البصر على النساء والصبيان . فمهما تخايل إليه الحسن تقاضى الطبع المعاودة . وعنده ينبغي أن يقرر في نفسه أن هذه المعاودة عين الجهل فإنه إن حقق النظر فاستحسن ، ثارت الشهوة ، وعجز عن الوصول ، فلا يحصل له إلا التحسر وإن استقبح ، لم يلتذ وتألم لأنه قصد الالتذاذ ، فقد فعل ما آلمه . فلا يخلو في كلتا حالتيه عن معصية ، وعن تألم ، وعن تحسر . ومهما حفظ العين بهذا الطريق ، اندفع عن قلبه كثير من الآفات . فإن أخطأت عينه ، وحفظ الفرج مع التمكن ، فذلك يستدعى غاية القوة ، ونهاية التوفيق فقد روى عن أبي بكر بن عبد الله المزني ، أن قصابا أولع بجارية لبعض جيرانه ، فأرسلها أهلها في حاجة لهم إلى قرية أخرى ، فتبعها ، وراودها عن نفسها ، فقالت له : لا تفعل لأنا أشد حبا لك منك لي ، ولكني أخاف الله . قال فأنت تخافينه وأنا لا أخافه ! فرجع تائبا . فأصابه العطش حتى كاد يهلك . فإذا هو برسول لبعض أنبياء بني إسرائيل ، فسأله ، فقال ما لك ؟ قال العطش . قال تعال حتى ندعو الله بأن تظلنا سحابة حتى ندخل القرية .
قال مالي من عمل صالح فأدعو ، فادع أنت . قال أنا أدعو وأمّن أنت على دعائي . فدعا الرسول ، وأمّن هو ، فأظلتهما سحابة حتى انتهيا إلى القرية . فأخذ القصاب إلى مكانه ، فمالت السحابة معه فقال له الرسول ، زعمت أن ليس لك عمل صالح ، وأنا الذي دعوت وأنت الذي أمنت ، فأظلتنا سحابة ، ثم تبعتك . لتخبرني بأمرك . فأخبره فقال الرسول إن التائب عند الله تعالى بمكان ليس أحد من الناس بمكانه وعن أحمد بن سعيد العابد ، عن أبيه ، قال . كان عندنا بالكوفة شاب متعبد ، لازم المسجد الجامع ، لا يكاد يفارقه . وكان حسن الوجه ، حسن القامة ، حسن السمت . فنظرت إليه امرأة ذات جمال وعقل ، فشغفت به ، وطال عليها ذلك . فلما كان ذات يوم ، وقفت له على الطريق ، وهو يريد المسجد . فقالت له يا فتى ، اسمع منى كلمات أكلمك بها ، ثم اعمل ما شئت . فمضى ولم يكلمها . ثم وقفت له بعد ذلك على طريقه ، وهو يريد منزله . فقالت له يا فتى ، اسمع منى كلمات أكلمك بها . فأطرق مليا وقال لها ، هذا موقف تهمة ، وأنا أكره
إحياء علوم الدين — صفحة 193
مساهمون: الغزالي
ص١٩٣