وإن قلت : أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها فوالله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح يا أمير المؤمنين هل تعاقب من عصاك من رعيتك بأشد من القتل ؟ قال : لا ، قال :
فكيف تصنع بالملك الذي خولك الله وما أنت عليه من ملك الدنيا ، وهو تعالى لا يعاقب من عصاه بالقتل ، ولكن يعاقب من عصاه بالخلود في العذاب الأليم ، وهو الذي يرى منك ما عقد عليه قلبك ، وأضمرته جوارحك فما ذا تقول إذا انتزع الملك الحق المبين ملك الدنيا من يدك ، ودعاك إلى الحساب ، هل يغنى عنك عنده شيء مما كنت فيه ، مما شححت عليه من ملك الدنيا ، فبكى المنصور بكاء شديدا حتى نحب وارتفع صوته ، ثم قال : يا ليتني لم أخلق ولم أك شيئا ، ثم قال كيف احتيالى فيما خولت فيه ، ولم أر من الناس إلا خائنا ، قال يا أمير المؤمنين عليك بالأئمة الأعلام المرشدين ، قال ومن هم ؟ قال : العلماء قال : قد فروا منى ، قال هربوا منك مخافة أن تحملهم على ما ظهر من طريقتك من قبل عمالك ، ولكن افتح الأبواب ، وسهل الحجاب ، وانتصر للمظلوم من الظالم ، وامنع المظالم ، وخذ الشيء مما حل وطاب ، واقسمه بالحق والعدل ، وأنا ضامن على أن من هرب منك أن يأتيك فيعاونك على صلاح أمرك ورعيتك ، فقال المنصور : اللهم وفقني أن أعمل بما قال هذا الرجل وجاء المؤذنون فسلموا عليه ، وأقيمت الصلاة ، فخرج فصلى بهم ثم قال للحرسى ، عليك بالرجل إن لم تأتني به لأضربن عنقك ، واغتاظ عليه غيظا شديدا ، فخرج الحرسي يطلب الرجل فبينا هو يطوف ، فإذا هو بالرجل يصلى في بعض الشعاب ، فقعد حتى صلى ، ثم قال :
يا ذا الرجل أما تتقى الله ، قال : بلى ، قال : أما تعرفه ، قال : بلى ، قال : فانطلق معي إلى الأمير ، فقد آلى أن يقتلني إن لم آته بك ، قال ليس لي إلى ذلك من سبيل ، قال : يقتلني قال : لا قال : كيف ، قال : تحسن تقرأ ؟ قال : لا ، فأخرج من مزود كان معه رقا مكتوبا فيه شيء ، فقال : خذه فاجعله في جيبك ، فإن فيه دعاء الفرج ، قال : وما دعاء الفرج ؟ قال :
لا يرزقه إلا الشهداء ، قلت : رحمك الله قد أحسنت إلىّ ، فإن رأيت أن تخبرني ما هذا الدعاء وما فضله ، قال من دعا به مساء وصباحا هدمت ذنوبه ، ودام سروره ، ومحيت خطاياه واستجيب دعاؤه ، وبسط له في رزقه ، وأعطى أمله ، وأعين على عدوّه ، وكتب عند الله
إحياء علوم الدين — صفحة 85
مساهمون: الغزالي
ص٨٥