تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
ليلة حين أسحر ، فبينا هو يطوف إذ سمع رجلا عند الملتزم وهو يقول : اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض ، وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع ، فأسرع المنصور في مشيه حتى ملأ مسامعه من قوله ، ثم خرج فجلس ناحية من المسجد وأرسل إليه فدعاه ، فأتاه الرسول وقال له أجب أمير المؤمنين ، فصلى ركعتين . واستلم الركن ، وأقبل مع الرسول فسلم عليه ، فقال له المنصور ما هذا الذي سمعتك تقوله من ظهور البغي والفساد في الأرض ، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع والظلم ، فوالله لقد حشوت مسامعي ما أمرضني وأقلقني ، فقال يا أمير المؤمنين ، إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها وإلا اقتصرت على نفسي ففيها لي شغل شاغل ، فقال له أنت آمن على نفسك ، فقال الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين الحق وإصلاح ما ظهر من البغي والفساد في الأرض أنت فقال ويحك وكيف يدخلني الطمع ، والصفراء والبيضاء في يدي ، والحلو والحامض في قبضتي ، قال وهل دخل أحدا من الطمع ما دخلك يا أمير المؤمنين ، إن الله تعالى استرعاك أمور المسلمين وأموالهم ، فأغفلت أمورهم ، واهتممت بجمع أموالهم ، وجعلت بينك وبينهم حجابا من الجص والآجر وأبوابا من الحديد ، وحجبة معهم السلاح ، ثم سجنت نفسك فيها منهم ، وبعثت عمالك في جمع الأموال وجبايتها ، واتخذت وزراء وأعوانا ظلمة ، إن نسيت لم يذكروك ، وإن ذكرت لم يعينوك ، وقويتهم على ظلم الناس بالأموال والكراع والسلاح وأمرت بأن لا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان نفر سميتهم ، ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع ولا العاري ، ولا الضعيف ولا الفقير ، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق ، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك ، وآثرتهم على رعيتك وأمرت أن لا يحجبوا عنك ، تجبي الأموال ولا تقسمها ، قالوا هذا قد خان الله ، فما لنا لا نخونه وقد سخر لنا فائتمروا على أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا ، وأن لا يخرج لك عامل فيخالف لهم أمرا إلا أقصوه حتى تسقط منزلته ، ويصغر قدره ، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم ، وكان أوّل من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليتقووا بهم على ظلم رعيتك ، ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا ظلم من دونهم