ومعلوم أن الإنسان لا يولد عالما بالشرع ، وإنما يجب التبليغ على أهل العلم ، فكل من تعلم مسألة واحدة فهو من أهل العلم بها ولعمري الإثم على الفقهاء أشد لأن قدرتهم فيه أظهر ، وهو بصناعتهم أليق ، لأن المحترفين لو تركوا حرفتهم لبطلت المعايش ، فهم قد تقلدوا أمرا لا بد منه في صلاح الخلق ، وشأن الفقيه وحرفته تبليغ ما بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن العلماء هم ورثة الأنبياء وليس للإنسان أن يقعد في بيته ولا يخرج إلى المسجد ، لأنه يرى الناس لا يحسنون الصلاة بل إذا علم ذلك وجب عليه الخروج للتعليم والنهى ، وكذا كل من تيقن أن في السوق منكرا يجرى على الدوام ، أو في وقت بعينه ، وهو قادر على تغييره ، فلا يجوز له أن يسقط ذلك عن نفسه بالقعود في البيت ، بل يلزمه الخروج ، فإن كان لا يقدر على تغيير الجميع وهو محترز عن مشاهدته ، ويقدر على البعض لزمه الخروج ، لأن خروجه إذا كان لأجل تغيير ما يقدر عليه فلا يضره مشاهدة ما لا يقدر عليه ، وإنما يمنع الحضور لمشاهدة المنكر من غير غرض صحيح فحق على كل مسلم أن يبدأ بنفسه فيصلحها بالمواظبة على الفرائض وترك المحرمات ، ثم يعلم ذلك أهل بيته ، ثم يتعدى بعد الفراغ منهم إلى جيرانه ، ثم إلى أهل محلته ، ثم إلى أهل بلده ، ثم إلى أهل السواد المكتنف ببلده ، ثم إلى أهل البوادي من الأكراد والعرب وغيرهم وهكذا إلى أقصى العالم ، فإن قام به الأدنى سقط عن الأبعد وإلا حرج به على كل قادر عليه قريبا كان أو بعيدا ، ولا يسقط الحرج ما دام يبقى على وجه الأرض جاهل بفرض من فروض دينه ، وهو قادر على أن يسعى إليه بنفسه ، أو بغيره ، فيعلمه فرضه ، وهذا شغل شاغل لمن يهمه أمر دينه ، يشغله عن تجزئة الأوقات في التفريعات النادرة ، والتعمق في دقائق العلوم التي هي من فروض الكفايات ، ولا يتقدم على هذا إلا فرض عين ، أو فرض كفاية هو أهم منه
إحياء علوم الدين — صفحة 67
مساهمون: الغزالي
ص٦٧