تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
من جهة النقل فيه رخصة ولم يبلغنا إلى الآن فيه رخصة ومنها : أن يكون في الضيافة مبتدع يتكلم في بدعته فيجوز الحضور لمن يقدر على الرد عليه على عزم الرد ، فإن كان لا يقدر عليه لم يجز ، فإن كان المبتدع لا يتكلم ببدعته فيجوز الحضور مع إظهار الكراهة عليه والإعراض عنه ، كما ذكرناه في باب البغض في الله ، وإن كان فيها مضحك بالحكايات وأنواع النوادر ، فإن كان يضحك بالفحش والكذب لم يجز الحضور وعند الحضور يجب الإنكار عليه ، وإن كان ذلك بمزح لا كذب فيه ولا فحش فهو مباح أعنى ما يقل منه ، فأما اتخاذه صنعة وعادة فليس بمباح ، وكل كذب لا يخفى أنه كذب ولا يقصد به التلبيس فليس من جملة المنكرات ، كقول الإنسان مثلا طلبتك اليوم مائة مرة ، وأعدت عليك الكلام ألف مرة ، وما يجرى مجراه مما يعلم أنه ليس يقصد به التحقيق ، فذلك لا يقدح في العدالة ، ولا ترد الشهادة ، به وسيأتي حد المزاح المباح ، والكذب المباح في كتاب آفات اللسان من ربع المهلكات ومنها : الإسراف في الطعام والبناء ، فهو منكر بل في المال منكران ، أحدهما : الإضاعة والآخر : الإسراف ، فالإضاعة تفويت مال بلا فائدة يعتد بها ، كإحراق الثوب وتمزيقه وهدم البناء من غير غرض ، وإلقاء المال في البحر ، وفي معناه صرف المال إلى النائحة والمطرب ، وفي أنواع الفساد ، لأنها فوائد محرمة شرعا ، فصارت كالمعدومة ، وأما الإسراف فقد يطلق لإرادة صرف المال إلى النائحة والمطرب والمنكرات ، وقد يطلق على الصرف إلى المباحات في جنسها ولكن مع المبالغة ، والمبالغة تختلف بالإضافة إلى الأحوال ، فنقول : من لم يملك إلا مائة دينار مثلا ، ومعه عياله وأولاده ، ولا معيشة لهم سواه ، فأنفق الجميع في وليمة فهو مسرف يجب منعه منه ، قال تعالى : * ( ولا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ) * « 1 » نزل هذا في رجل بالمدينة ، قسم جميع ماله ولم يبق شيئا لعياله ، فطولب بالنفقة فلم يقدر على شيء ، وقال تعالى : * ( ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ ) * « 2 » وكذلك قال عز وجل : * ( والَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا ) * « 3 » فمن يسرف هذا
هامش
« 1 » الإسراء : 29 « 2 » الإسراء : 26 « 3 » الفرقان : 67 .
إحياء علوم الدين — صفحة 65 | الغزالي